
بيد أنّ هذه المركزيَّة، التي رُوِّج لها بوصفها ذروة التحرّر الإنساني، سرعان ما كشفت عن وجهها الآخر، فبدت ذات مثقلة بذاتها، متعبة من فائض المسؤوليَّة، ومأزومة في علاقتها بالعالم وبنفسها في آن واحد.
لقد تشكّلت الذات الغربيَّة الحديثة في سياق تاريخي وعد الإنسان بالتحرّر الكامل: تحرّر من المقدّس، ومن المرجعيات العليا، ومن التقاليد الموروثة، ومن كلّ سلطة تُفرض عليه باسم الحقيقة أو الأخلاق أو الغاية. بدا العقل، في هذه الرؤية، قادرًا على أنْ يكون مرجعًا مكتفيًا بذاته، وأنْ يؤسِّس عالمًا عقلانيًّا خالصًا، يُدار وفق قوانين واضحة، ويمنح الإنسان سيادة غير مسبوقة على الطبيعة والمجتمع والتاريخ. لكنّ هذا المشروع، الذي بدأ بوصفه مسارًا للتحرّر، انتهى إلى وضع الذات في موقع لم يكن محسوبًا بدقّة، أعني موقع المرجع الوحيد، والمسؤول الأوحد، في عالم جُرِّد تدريجيًّا من أيّ أفق يتجاوزها.
من هنا تبدأ الإشكاليَّة، لا بوصفها خللًا لاحقًا في التطبيق، وإنَّما بوصفها سؤالًا بنيويًّا في أصل التصوّر نفسه. فحين تُنصَّب الذات مركزًا لكلّ شيء، يتجاوز السؤال مقدار ما كسبه الإنسان من حريَّة أو معرفة، ليرتبط بالثمن الوجودي الذي دُفع مقابل هذا التمركز. فهل تستطيع الذات، مهما بلغت من وعي وقدرة، أنْ تتحمّل وحدها عبء المعنى؟ وهل يمكن للإنسان أنْ يعيش حياة قابلة للسكن حين يُطلب منه أنْ يكون أصل قِيمه وغاياته دون سند يتجاوزه؟
إنَّ الحديث عن "أزمة الذات" لا يُقصد به توصيف حالة نفسيَّة فرديَّة، ولا التعبير عن حنين رومانسي إلى أنماط ماضية من الوجود، بقدر ما يُشير إلى مأزقٍ حضاريٍ يُتكشّف في مستويات متعدّدة. فالأزمة لا تظهر فجأة، ولا تتّخذ صورة انهيار شامل، وإنَّما تتسلل تدريجيًّا إلى بنية الحياة الحديثة، وتفرض نفسها في الأسئلة التي يعجز الخطاب السائد عن الإجابة عنها، أو يتجنَّب طرحها أصلًا. وما يزيد من تعقيد هذا المأزق أنَّ أدوات الحداثة نفسها — العقل، والحريَّة، والفردانيَّة — هي في الوقت ذاته أدوات الكشف عن الأزمة، وحدود القدرة على تجاوزها.
ولتحقيق ذلك، انطلق البحث من الفلسفة اليونانيَّة والمسيحيَّة التي رسخت ثنائيَّة الخضوع والسمو، ثمَّ تناولنا مشروع (ديكارت) في تأسيس مركزيَّة الذات، ورؤية (كانط) التي أكَّدت على التشريع الخُلُقي، وإعلان (نيتشه) موت الإله، وما تبعه من دعوة إلى الإنسان الأعلى، وصولًا إلى تفكيك (فوكو) للذات في سياق السلطة والخطاب. وقد خلصنا إلى أنَّ هذه التحولات لم تؤدِّ إلى حُريَّة كاملة، بل جدَّدت حضور السلطة في صور مختلفة، من خلال أساليب جديدة للتفكير والتأثير، وهو ما يجعل سؤال الإنسان سؤالًا مفتوحًا على الدوام، بلا إجابة نهائيَّة قاطعة.
الكلمات المفتاحيَّة: التأليه، مركزيَّة الذات، التشريع الخُلُقي، نقد الخطاب، إنتاج المعرفة، الحُريَّة، السلطة.
وإذا كانت علاقة الفردانيَّة بالإنسان المنفصل محورًا رئيسًا في هذه الدراسة، فإنَّ من محاورها أيضًا الكشف عن مغذِّياتها التي بنت عليها اتجاهها، وصنعت منها جدارًا عازلًا بين الإنسان والآخر، أدَّى لفصله تمامًا عن هُويَّته الاجتماعيَّة، كالفلسفة المادّيَّة التي رسّخت النظرة الماديَّة في المجتمع الغربي بكلّ أبعادها المقيتة، والفلسفة الوجوديَّة التي عمدت إلى التشكيك في كلّ ما هو ديني وروحي، والفلسفة البراجماتيَّة التي وطَّنت مبدأ النفعيَّة الذي جعل الإنسان يبحث فقط عن منفعته ولو على حساب القِيم والمبادئ الإنسانيَّة، وهي كلّها من الفلسفات والمذاهب التي غذّت الفردانيَّة، وأنتجت الإنسان المنفصل.
الفردانيَّة الحديثة، الإنسان المنفصل، الوجوديَّة، الماديَّة، البراجماتيَّة، أزمة المجتمعات الغربيَّة.
إلى أنْ جاء العصر الحديث، أو تحديدًا الحضارة الغربيَّة، فتغيَّرت القِيَم المصاحبة لها تغيُّرًا يبرِّر لنا القول بموت الإنسان الخُلُقي، وذلك عندما سادت الرأسماليَّة بقِيَمها النفعيَّة، لتعلو بها فوق كلِّ قِيَم إنسانيَّة أخرى، ومن ثَمَّ تختزل الإنسان في كونه كائنًا تتحدَّد هُويَّته في قِيمته، وتتحدَّد قِيمته وفقًا لقِيَم المنفعة السوقيَّة.
سيتَّخذ هذا البحث منحى تاريخيًّا، يبيِّن أهمّ القِيَم الإنسانيَّة التي ارتبطت بكلِّ حضارة، لينتهي بقِيَم الحضارة الغربيَّة، التي يحيا العالم في ظلِّها الآن، ثمَّ يبيِّن- باستخدام المنهج التحليلي النقدي- كيف خذلت قِيَم النفعيَّة والسوق والمصلحة التي سادت حضارتنا الراهنة مُفكِّري الغرب، الذين كانوا يأملون مع بداية عصر الحداثة - ويمنُّون أنفسهم والعالم- تحقيق قِيَم الإنسانيَّة العُليا في الإخاء، والمساواة، والعدالة.
يبيّن البحث أنَّ هذه الأطروحات تشترك في اعتبار الوحي والدين نتاجًا بشريًّا تاريخيًّا خاضعًا للفهم النسبي والتأويل المتغيِّر، لا معطى إلهيًّا متعاليًا وثابتًا.
يعرض البحث الأسس المعرفيَّة للعَلْمانيَّة، وفي مقدّمتها الأنسنة، والعَلْموية، والعقلانيَّة الأداتية، وينتقل إلى بيان أثرها في الفكر العربي الحديث. ثمَّ يناقش بالتفصيل أطروحات (أركون) في أنسنة الوحي، و(أبو زيد) في تاريخانيَّة النص القرآني وأنسنة دلالته، و(أدونيس) في قراءة القرآن بصفته نصًّا لغويًّا أدبيًّا منزوعَ القداسة.
ويخلص البحث إلى أنَّ القول ببشريَّة الدين يؤدِّي إلى نفي قدسيَّته، وهدم المعرفة الدينيَّة من أساسها، وإفراغ الوحي من مضمونه الإلهي، بما يفضي إلى نسبيَّة مطلقة في العقيدة والتشريع، وتعدّد المقاصد بين الإلهي والنبوي والإنساني، وهو ما يتعارض مع الرؤية الإسلاميَّة للوحي والدين.
وعلاوة على ذلك، ينتقل الطرح إلى بُعد "الاستخلاف" باعتباره الغاية والوظيفة الكونيَّة للإنسان التي تتجاوز الإطار التشريعي لتشمل "الولاية التكوينيَّة" وعمارة الأرض، ثمَّ تعالج الورقة إشكاليَّة الجبر والتفويض بتقديم نظريَّة "الأمر بين الأمرين"، التي تحفظ للإنسان حُريَّته المسؤولة، ولله سلطانه المطلق، معتبرةً التكليف تشريفًا وتمرينًا وجوديًّا لصناعة الذات عبر آليَّة "الابتلاء" وسنن التاريخ. ولذلك، تؤسِّس الدراسة للعلاقة العضويَّة التكامليَّة بين "العقل" بوصفه حجَّة باطنة و"الوحـي" حجَّة ظاهرة، رافضةً الثنائيَّات المفتعلة بين العلم والدين.
وفي الختام، يقدِّم البحث نقدًا جذريًّا لمنظومة حقوق الإنسان الغربيَّة القائمة على "الأنسنة" (Humanism) والفردانيَّة، مبيِّنًا تهافت أسسها الفلسفيَّة مقابل مفهوم "الكرامة" القرآنيَّة بنوعيها الذاتي والاكتسابي. وختامًا، تُغلق الدراسة الدائرة الوجوديَّة بـ "قوس الصعود"؛ حيث يكدح الإنسان نحو المطلق عبر حركة جوهريَّة تتجسَّم فيها الأعمال، ليكون اللقاء بالله هو الغاية القصوى، وتكون العبوديَّة الحقَّة هي طريق التحرُّر من عبوديَّة المادَّة.
وبدأت في التمركز حول الهويَّة الأفريقيَّة، وإعادة وضعها في الحضارة الإنسانيَّة في ضوء تهميشها من قِبل الغرب خلال الحقبة الاستعماريَّة. وبدأت في الادِّعاء بأنَّها أصل الحضارة الفرعونيَّة، وأنَّها حضارة أفريقيَّة، نافية أصول الشعب المصري وارتباطه بالحضارة الفرعونيَّة، ومطالبةً بحقوق زائفة ضد الدولة المصريَّة. فحاولت الدراسة الإجابة عن تساؤلٍ رئيسٍ عن "ماهيَّة حركة الأفروسنتريك (Afrocentrism)، وأبرز مقولاتها وادِّعاءتها الخاصَّة بزنجيَّة الحضارة الفرعونيَّة باعتبارها أيديولوجية استعماريَّة إحلاليَّة. وتنقسم الورقة إلى قسمين رئيسين؛ يتناول مفهوم المركزيَّة الأفريقيَّة، وسياق ظهور المفهوم حركة الأفروسنتريك "المركزيَّة الأفريقيَّة"، فيما يتناول الثاني المقولات الأيديولوجيَّة لحركة المركزيَّة الأفريقيَّة وما تتضمَّنه من افتراءات الجذور الزنجيَّة للحضارة الفرعونيَّة.
وانصبّ اهتمام المصنّف على الولاية التكوينيَّة بالمعنى الخاص، وهو المقام الذي يثبت لبعض الأفراد الذين وصلوا إلى مقام القرب من الله تعالى، وأجلى مصاديق هؤلاء: النبيّ محمد(ص) وأهل البيت (ع)، كما بحث في الطريق الموصل إلى مقام الولاية بالمعنى الخاصّ، مؤكِّدًا على أنَّ ذلك يعتمد على عنصرين؛ الأول عنصر المعرفة والعلم، والثاني العمل والعبادة، ولا شكّ في أنَّ الإخلاص شرط أساس في تحقُّق هذا المقام بمراتبه، وكلَّما اشتدَّ إخلاص العبد، كلّما كانت مرتبة ولايته أقوى وأعمق.
وهنا لا بدّ من التأكيد على أنَّ المصنِّف يرى أنَّ الإنسان لا يكون له ولاية في عرض ولاية الله تعالى بل ولا في طول ولايته تعالى، بل يكون مظهرًا لأسماء الله تعالى الحسنى، ولذلك فعل المعصوم مثلًا أو ولايته مرآة لولاية الله تعالى.
التعليقات