أوّل الكلام: الذاتُ الغربيَّة في زَمنِ الفَراغِ الوجودي - الدكتور محمد محمود مرتضى

مشاركة هذا الموضوع :

تتقدّم "الذات" في قلب التجربة الغربيَّة الحديثة بوصفها العقدة الأكثر تعقيدًا في البناء الحضاري المعاصر؛ إذ لم تعد الذات مجرَّد مفهوم نظري يُستعمل في الفلسفة أو علم النفس، بقدر ما غدت الإطار الذي تُفهم من خلاله المعرفة، وتُقاس به القِيم، ويُعاد تنظيم العالم على أساسه.

 بيد أنّ هذه المركزيَّة، التي رُوِّج لها بوصفها ذروة التحرّر الإنساني، سرعان ما كشفت عن وجهها الآخر، فبدت ذات مثقلة بذاتها، متعبة من فائض المسؤوليَّة، ومأزومة في علاقتها بالعالم وبنفسها في آن واحد.

لقد تشكّلت الذات الغربيَّة الحديثة في سياق تاريخي وعد الإنسان بالتحرّر الكامل: تحرّر من المقدّس، ومن المرجعيات العليا، ومن التقاليد الموروثة، ومن كلّ سلطة تُفرض عليه باسم الحقيقة أو الأخلاق أو الغاية. بدا العقل، في هذه الرؤية، قادرًا على أنْ يكون مرجعًا مكتفيًا بذاته، وأنْ يؤسِّس عالمًا عقلانيًّا خالصًا، يُدار وفق قوانين واضحة، ويمنح الإنسان سيادة غير مسبوقة على الطبيعة والمجتمع والتاريخ. لكنّ هذا المشروع، الذي بدأ بوصفه مسارًا للتحرّر، انتهى إلى وضع الذات في موقع لم يكن محسوبًا بدقّة، أعني موقع المرجع الوحيد، والمسؤول الأوحد، في عالم جُرِّد تدريجيًّا من أيّ أفق يتجاوزها.

من هنا تبدأ الإشكاليَّة، لا بوصفها خللًا لاحقًا في التطبيق، وإنَّما بوصفها سؤالًا بنيويًّا في أصل التصوّر نفسه. فحين تُنصَّب الذات مركزًا لكلّ شيء، يتجاوز السؤال مقدار ما كسبه الإنسان من حريَّة أو معرفة، ليرتبط بالثمن الوجودي الذي دُفع مقابل هذا التمركز. فهل تستطيع الذات، مهما بلغت من وعي وقدرة، أنْ تتحمّل وحدها عبء المعنى؟ وهل يمكن للإنسان أنْ يعيش حياة قابلة للسكن حين يُطلب منه أنْ يكون أصل قِيمه وغاياته دون سند يتجاوزه؟

إنَّ الحديث عن "أزمة الذات" لا يُقصد به توصيف حالة نفسيَّة فرديَّة، ولا التعبير عن حنين رومانسي إلى أنماط ماضية من الوجود، بقدر ما يُشير إلى مأزقٍ حضاريٍ يُتكشّف في مستويات متعدّدة. فالأزمة لا تظهر فجأة، ولا تتّخذ صورة انهيار شامل، وإنَّما تتسلل تدريجيًّا إلى بنية الحياة الحديثة، وتفرض نفسها في الأسئلة التي يعجز الخطاب السائد عن الإجابة عنها، أو يتجنَّب طرحها أصلًا. وما يزيد من تعقيد هذا المأزق أنَّ أدوات الحداثة نفسها — العقل، والحريَّة، والفردانيَّة — هي في الوقت ذاته أدوات الكشف عن الأزمة، وحدود القدرة على تجاوزها.

التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, امم للدراسات الانسانية والاجتماعية