
وهذا المآل وليدُ صميمِ تكوينه؛ فالعقلُ الذي نصّب ذاته مرجعًا مطلقًا ساقته صرامتُه إلى مساءلةِ كلّ مرجع، حتّى بلغت المساءلةُ عرشَه هو، فانقلب اليقينُ على نفسه بأدواته. وفي تتبّعِ هذا القوس — من تأسيسِ اليقين إلى تشظّيه — ما يجاوز قراءةَ أزمةٍ غربيّةٍ تُرقَب من بعيد، إلى مساءلةِ وعيٍ تتنازعه آثارُ المنظومتين معًا.
أوَّلًا: عصرُ اليقين وتأسيسُ الذات العارفة
في مطلع الأزمنة الحديثة وقف العقل الأوروبيّ موقف الباحث عن أرضٍ صلبةٍ يقيم عليها بنيانه، بعد أن تزعزعت في وجدانه سلطةُ التقليد المُتوارَث، ومرجعيّةُ النصّ الكنسيّ، وصورةُ الكون القروسطيّ المغلَق. وحين أخضع (رينيه ديكارت -René Descartes) كلّ معلومٍ لشكٍّ منهجيٍّ صارم، قصد من شكّه غايةً تأسيسيّةً واحدة: بلوغَ يقينٍ يستعصي على الريب. نزل بالشكّ إلى قاعه الأخير، فلمّا انعدم ما يحتمل الارتياب، انكشفت له الصخرة المطلوبة في الذات المُفكِّرة ذاتها؛ فما دام يشكّ فهو يفكّر، وما دام يفكّر فهو موجود. بهذه الحركة الواحدة استحالت الأنا نقطةَ ارتكازٍ يُرفَع عليها العالم، وانتقل مركز الثقل في تأسيس الحقيقة من الله والكون والتقليد إلى الذات العارفة المكتفية بحضورها لنفسها. وهذا ما نصطلح عليه هنا بـ «الأَنْوَنة»: أي ردُّ مدار المعنى كلّه إلى الأنا بوصفها أصلًا ومُؤسِّسًا.
وبهذا ...
ويبيِّن البحث أنَّ هذا التحوُّل أدخل المعرفة في توتُّر داخلي؛ إذ صار العقل مطالبًا بتبرير شروط صدقه من داخله. ومع تطوُّر النقد الفلسفي، تحوَّل الشكّ من إجراء لفحص المعارف إلى بنية معرفية مستقرَّة، وتراجعت فكرة الحقيقة الشاملة لصالح طرائق فهم متعدِّدة منضبطة بشروط القول والمعنى. يخلص البحث إلى أنَّ ما انهار في التجربة الغربية هو صورة مخصوصة من اليقين قامت على افتراض كفاية العقل بذاته، وليس إمكان الحقيقة، مع التأكيد على أنَّ هذا المسار يعبِّر عن تجربة تاريخية خاصَّة لا عن قانون كوني للفكر الإنساني.
...ينطلق البحث من فكرة أنَّ الفيزياء الكلاسيكية كانت تفترض حتمية صارمة وموضوعية كاملة، لكن اكتشافات ميكانيكا الكم والنسبية أظهرتا حدود هذه الرؤية، وأدخلت عنصر اللا يقين، ودور المراقب في إنتاج المعرفة. يربط البحث هذا التحوُّل بإعادة بناء مفهوم العقل، عبر التمييز بين "العقل الحسابي" القائم على البرهنة والمنطق الرياضي، و"العقل الانفعالي" المرتبط بالمعنى والخيال والإيمان. كما يناقش تطوّر المناهج العلمية ونظريات المنطق المتعدّد القيم، بوصفها تعبيرًا عن الفاقد المعرفي وعدم القدرة على الحسم النهائي. ويقارن بين الوعي الغربي والشرقي، وبين الأسطورة والعلم، ليخلص إلى أنَّ الإنسان المعاصر يعيد إنتاج أنماط أسطورية رمزية لتعويض فقدان اليقين. وينتهي إلى أنَّ المعرفة العلمية الحديثة أصبحت نسبية ومفتوحة، وأنَّ الثبات المعرفي يحتاج إلى إطار كلي يتجاوز حدود العلم التجريبي.
...تشرح الدراسة كيف ربط مفكِّرو "ما بعد الحداثة"، مثل (دريدا)، و(فوكو) و(بودريار)، المعرفة بالسلطة، وشكَّكوا في اللغة والمعنى والمرجع، ما أدَّى إلى شيوع النسبية والعدمية. كما تعرَّضت هذه الورقة لفكرة تفكيك المعنى، وموت المؤلِّف، وغياب المرجع، وما نتج عنها من انهيار البناء المعرفي، وتراجع الحقيقة الموضوعية، وانتشار ثقافة القشور وعصر ما بعد الحقيقة. وتتناول الدراسة أيضًا موقف ما بعد الحداثة من السرديات الكبرى، كالدين، والعلم، والأيديولوجيات، واستبدالها بالسرديات الصغرى. ثمَّ تقدِّم نقدًا عقليًّا ودينيًّا لهذه الفلسفة، مبرزة تناقضها الذاتي، وعجزها عن تأسيس معايير خُلُقية ثابتة، وتعذُّر إدانة الظلم في ظلّ النسبية المطلقة. وتخلص إلى أنَّ ما بعد الحداثة فشلت في تقديم بديل معرفي متماسك، وأسهمت في الفوضى المعرفية والخُلُقية. كما تؤكِّد الدراسة أنَّ الدين يقدِّم مرجعية معرفية وخُلُقية ثابتة، بخلاف الطرح "ما بعد الحداثي" الذي يفضي إلى التيه المعرفي والإنساني.
...لم يعد التحدِّي– الآن- هو حجب الحقيقة، بل هو فوضى المعلومات الكاذبة التي تنشر مئة رواية كاذبة عن الحقيقة الواحدة، ليصاب العقل بـالإعياء المعرفي، فيتوقَّف عن البحث عن الحقيقة، ويكتفي بما يوافق خطط صناع الفوضى.
ونلاحظ أنَّ مشكلة المؤسَّسات الإعلامية لم تعد في "نقص" المعلومة، بل في "سمِّيّة" فائض المعلومات التي نطلق عليها ((Information Entropyp حيث تؤدِّي كثرة البيانات المتضاربة إلى حالة من العشوائية وعدم اليقين، لهدم الجدران النفسية قبل الجدران المادية للدول؛ حيث يجري استغلال الخوارزميات والتعدُّد العرقي واللُّغوي لصناعة حالة من "التيه المعرفي".
وتبرز الإشكالية في عدم تكافؤ القوى الإعلامية بين الإعلام الغربي المتطوِّر والإعلام المَحلّي، ما يجعل المجتمعات عرضة للاهتزاز الأمني والسياسي، لا سيّما في أوقات الحروب.
...لكن الواقع الغربي الراهن يعيش أزمةً داخليةً وخارجيةً؛ يتمثَّل طابعها الأوَّل في فقدان الأفق المستقبلي الذي شكّل أساس الأزمنة الحديثة؛ إذ لم تعد الأجيال الجديدة تؤمن بأنَّها ستعيش حياةً أفضل من تلك التي عاشتها الأجيال السابقة.
صحيح أنَّ الحضارة الغربية تمثِّل إرثًا إنسانيًّا مشتركًا يخصّ الجميع بوصفه متاحًا ثقافيًّا، لكن خصوصيتها ومسار تشكّلها سيظلَّان مرتبطين بمنشئها المكاني والزماني. لهذا، فإنّ التساؤل عن مصير الحضارة الغربية يحمل عدّة أبعاد؛ أوّلها أنَّ هذه الحضارة تعيش على وقع أزمة، وثانيها يتناول مآل هذه الأزمة. يرتبط البعد الأوّل بعملية تشخيص الأزمة وتقويمها؛ أي بالبعد المعياري الخاصّ بقراءة أزمة الحضارة الغربية. أما البُعد الثاني، فيتعلّق بالتنظير للمستقبل الحضاري الغربي. ويُقرأ هذان البعدان من منطلق يسعى إلى إيجاد أرضية لبناء فرضيات عن وجود حضارات أخرى صاعدة، أو إمكانات ظهورها مستقبلًا.
، ، ، ، .
...في حين يعاني الفكر الغربي الحديث من أزمة معرفية ناتجة عن الانتقال من اليقين إلى الشكّ، ثمَّ النسبية، وصولًا إلى ما بعد الحداثة التي تفكِّك مفهوم الحقيقة، وتلغي المعايير الموضوعية، وتسبِّب فوضى معرفية واسعة في الوعي الإنساني المعاصر. ليست المعرفةُ معلوماتٍ فقط، بل هي طريق إلى الحقيقة، واليقين، والهداية. كما أنَّ الإسلام يربط العلم بالعمل والمسؤولية، ويجعل الوحي والعقل والحسّ مصادر متكاملة للمعرفة، ويقدِّم نموذجًا يوازن بين الثبات والتعدّد، وبين اليقين والمرونة في الفهم الإنساني. ويقترح بديلًا معرفيًّا يقوم على استعادة مفهوم الحقيقة الموضوعية، وإعادة الثقة بالعقل، والعلم، والوحي، مع ضبط حدود كلٍّ منها، بما يمنع الانحراف نحو النسبية المطلقة أو الدوغمائية (Dogmatism)، ويؤسِّس رؤيةً معرفيةً متوازنةً.
...يقف هذا البحث على السمات المميّزة لهذه العقيدة، من خلال تحليل التطوُّرات والخلفيات الدينية والتاريخية والسياسية المتعلِّقة بها، وكذا تطوُّر السياق الدلالي للفظة «الماشيَّح» بالعبرية. كما يحلِّل التوظيف الصهيوني لهذه العقيدة لخدمة المشروع الاستعماري للصهيونية، وتبرير الأعمال العدوانية الإسرائيلية المعاصرة، لا سيِّما ما يتعلَّق باستيطان الأراضي العربية (الفلسطينية)، وإقامة الهيكل اليهودي المزعوم بالقدس الشريف، والحرب العدوانية الأخيرة على غزَّة.
...يركِّز (المسيري) على التحوُّل الفكري في الحضارة الغربية؛ حيث تراجعت الثقة في العقل والحقيقة الثابتة لصالح "المادية السائلة" التي تعيد صياغة الإنسان، بوصفه كائنًا مادِّيًّا تحرِّكه اللذَّة والظروف، بدلًا من كونه كائنًا عقلانيًّا. في المقابل، ينتقد (التريكي) النظام العالمي المعاصر القائم على الهيمنة وعدم المساواة، مشيرًا إلى أنَّ العَولمة أدَّت إلى الإقصاء والفقر والنزاعات. ويرفض (التريكي) أطروحة "صدام الحضارات"، ومؤكِّدًا على أنَّ الأزمة تكمن في آليَّات تنظيم العالم لا في صراع الثقافات.
يتناول الكتاب -أيضًا- إشكالات الهُوية في ظلِّ العَولمة، موضِّحًا أنَّ التحدِّي الحقيقي يكمن في تحقيق العيش المشترك. ويخلص إلى أنَّ العالم يواجه أزمة قِيم ونظام عالمي عميقة، تتطلَّب تجاوز الهيمنة، وبناء فهم جديد يرتكز على الحوار والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات.
...
التعليقات