وهذا المآل وليدُ صميمِ تكوينه؛ فالعقلُ الذي نصّب ذاته مرجعًا مطلقًا ساقته صرامتُه إلى مساءلةِ كلّ مرجع، حتّى بلغت المساءلةُ عرشَه هو، فانقلب اليقينُ على نفسه بأدواته. وفي تتبّعِ هذا القوس — من تأسيسِ اليقين إلى تشظّيه — ما يجاوز قراءةَ أزمةٍ غربيّةٍ تُرقَب من بعيد، إلى مساءلةِ وعيٍ تتنازعه آثارُ المنظومتين معًا.
أوَّلًا: عصرُ اليقين وتأسيسُ الذات العارفة
في مطلع الأزمنة الحديثة وقف العقل الأوروبيّ موقف الباحث عن أرضٍ صلبةٍ يقيم عليها بنيانه، بعد أن تزعزعت في وجدانه سلطةُ التقليد المُتوارَث، ومرجعيّةُ النصّ الكنسيّ، وصورةُ الكون القروسطيّ المغلَق. وحين أخضع (رينيه ديكارت -René Descartes) كلّ معلومٍ لشكٍّ منهجيٍّ صارم، قصد من شكّه غايةً تأسيسيّةً واحدة: بلوغَ يقينٍ يستعصي على الريب. نزل بالشكّ إلى قاعه الأخير، فلمّا انعدم ما يحتمل الارتياب، انكشفت له الصخرة المطلوبة في الذات المُفكِّرة ذاتها؛ فما دام يشكّ فهو يفكّر، وما دام يفكّر فهو موجود. بهذه الحركة الواحدة استحالت الأنا نقطةَ ارتكازٍ يُرفَع عليها العالم، وانتقل مركز الثقل في تأسيس الحقيقة من الله والكون والتقليد إلى الذات العارفة المكتفية بحضورها لنفسها. وهذا ما نصطلح عليه هنا بـ «الأَنْوَنة»: أي ردُّ مدار المعنى كلّه إلى الأنا بوصفها أصلًا ومُؤسِّسًا.
وبهذا التحوّل انقلب موقعُ الإنسان من الوجود انقلابًا عميقًا. فالذات التي كانت في المنظار القديم عنصرًا في نظامٍ كونيٍّ يتجاوزها ويمنحها معناها، صارت في المنظار الحديث مصدر ذلك المعنى ومانحته. أمسى العقل مُشترِعًا يفرض على الطبيعة مقولاته وقوانينه، ويستخرج نظامها من ذاته قبل أن يلتمسه فيها. وستبلغ هذه «الأَنْوَنة» ذروتها مع (إيمانويل كانط - Immanuel Kant) حين يُعلن أنّ الذهن يُملي على الطبيعة قوانينها، فتدور الموضوعات حول الذات العارفة دوران الكواكب حول شمسها. هكذا وُلِدت الذات الحديثة واعيةً بنفسها، ومستقلّةً، وشفّافةً لذاتها، وواثقةً بأنّها تملك أدوات الحقيقة كاملةً.
ثمّ مدَّ عصرُ الأنوار هذا التأسيس من حقل المعرفة إلى الحضارة بأسرها. ارتقى العقل إلى مقام السلطة العُليا التي تَفصِل في الدين، والسياسة، والأخلاق، والعلم. وغدا نداء (كانط) «تجرّأ على أن تَعلَم» إعلانًا عن بلوغ الإنسانيّة سنّ الرشد، وخروجِها إلى استقلالٍ يجعل حُكمَ العقل حُكمًا نهائيًّا يستعصي على الاستئناف. وفي هذا المناخ، ترسّخت ثقةٌ عريضة بأنّ كلّ غامضٍ سيُضاء، وكلّ خرافيٍّ سيُبدَّد، وكلّ مجهولٍ سيُردُّ إلى معلوم؛ فالحقيقة في جوهرها متاحةٌ للعقل، والجهلُ حالةٌ عابرةٌ يطويها التقدّم المطّرد.
ووجدت هذه الثقة سندها الأمتن في الثورة العلميّة. أعلن (غاليليو غاليلي - Galileo Galilei) أنّ كتاب الطبيعة مكتوبٌ بلغة الرياضيّات، وأقام (إسحق نيوتن - Isaac Newton) صرحًا كونيًّا تنتظمه قوانينُ كلّيّةٌ تتنبّأ بحركة الذرّة كما تتنبّأ بحركة المجرّة، فبدا اليقين واقعًا ملموسًا يقبل القياس والتنبّؤ والتسخير. صار الكون آلةً مضبوطةً وشفَّافة للعقل، يتراجع غيبُها كلّما توغّل البحث في تفصيلها، وهو ما نسمّيه "نُكوصَ الغَيب"، أي انحسارُ المنطقة المجهولة الموكولة إلى المتعالي أمام زحف المحسوب والمَقيس. ومن رحِم هذا الانتصار تشكّل المثال المعماري للمعرفة الحديثة: بناءٌ متراكمٌ يقوم على أُسسٍ بديهيّةٍ تستعصي على الشكّ، ترتفع فوقها طبقاتُ اليقين في تقدّمٍ مُطّردٍ لا يرتدّ على عقبيه.
وأعمقُ ما طبع عصر اليقين وعدُه الحضاريّ. صار اليقين عند الحداثة موقفًا خلاصيًّا يَعِد بتحرير الإنسان من الطبيعة، ومن الطغيان، ومن الخرافة، ويجعل العلم وسيلةً إلى سيادةٍ على العالم تُغني عن كلّ سيادةٍ متعالية. على هذا النحو امتزج التيقّن بإرادة التملّك حتّى غدَوَا وجهين لحقيقةٍ واحدة، إنَّه "التيقُّن السِّياديّ"، وهو معرفةٌ تُطلَب لتُمكِّن، ويقينٌ يُقاس بقدرته على الإخضاع. وُعِد الإنسان الحديث بأن يكون سيّدًا ومالكًا للطبيعة، وأن يصنع خلاصه بيده على الأرض، فحلّ التقدّمُ محلّ العناية، والمستقبلُ محلّ الآخرة، وانفتح أمامه "العالَمُ المُحاسَب" عالمٌ مُسطَّحٌ على مقادير المنفعة والحساب، ومُفرَّغٌ من قداسته، وشفّافٌ للإرادة الحاسبة.
بهذا بلغت الحضارة الغربيّة قمّة ثقتها بنفسها، وأمسكت — في ظنّها — بزمام الحقيقة إمساكًا محكمًا. وفي هذه الذروة بالذات كمنت المفارقة التي ستفتح الباب على ما بعدها: فالعقل الذي اتّخذ الشكّ المنهجيّ أداته الأولى يحمل في تكوينه نزوعًا يأبى الوقوف عند حدّ، ومن إفراطه في طلب اليقين يتولّد التصدّع الذي يردّ شكَّه آخر الأمر إلى أسَّسه هو.
ثانيًا: التصدُّعُ من الداخل
حملت الأداةُ التي شيّد بها العقلُ الحديث يقينه نزوعًا إلى المضيّ حتّى منتهاه، فأبى شكُّه المنهجيّ أن يقف عند التخوم التي رُسِمت له. وما إن استقرّ البناءُ على أُسسه البديهيّة حتّى عاد الشكُّ أدراجَه إلى تلك الأسس يمتحنها كما امتحن سواها، فكان "الشكُّ المُرتدّ" التفاتةُ النقد إلى شرطه هو، ومساءلتُه الأرضَ التي يقف عليها.
على هذه الالتفاتة قامت أعمالُ مَن عُرفوا بأساتذة الارتياب. نزع (كارل ماركس - Karl Marx)، و(فريدريش نيتشه - Friedrich Nietzsche)، و(سيجموند فرويد - Sigmund Freud) -كلٌّ من زاويته- القناعَ عن وعيٍ يحسب نفسه شفّافًا سيّدًا على مقولاته، وكشفوا أنّ ما تعرضه الذاتُ على نفسها من بداهةٍ ووضوحٍ سطحٌ تتحرّك تحته قوىً تندُّ عن رقابتها: مصلحةٌ طبقيّة، وإرادةُ قوّة، ورغبةٌ مكبوتة. بهذا الكشف انكسرت شفافيّةُ «الذات العارفة» التي رفعها (ديكارت) نقطةَ ارتكازٍ للحقيقة.
بلغت هذه التعريةُ ذروتَها عند (فرويد) حين أنزل الأنا من عرشها في بيتها. أثبت أنّ وراء الوعي لا وعيًا يحرّكه من حيث لا يدري، وأنّ ما يظنّه المرءُ قرارًا حُرًّا صادرًا عن تأمّلٍ صافٍ تُمليه عليه دوافعُ مطمورةٌ في أعماقه. تصدَّع بذلك "الكوجيتو" (Cogito) في أسِّه، فالأنا التي ضمنت لنفسها حضورًا تامًّا صارت ضيفةً في دارٍ يحكمها سواها، تتلقّى من الظلمة ما تحسبه نورًا من عندها.
وأرجع (ماركس) حركةَ الفكر إلى شرطها المادّيّ والتاريخيّ، فأبان أنّ الأفكار التي تتراءى كونيّةً محايدةً تنهض على مصالح طبقةٍ وموقعٍ في الإنتاج، وأنّ كثيرًا مما يُسمّى حقيقةً وعيٌ زائفٌ يحجب شرطه عن صاحبه. على هذا تكشّف "العقلُ المأهول"، عقلٌ تسكنه — قبل أن يفكّر — إرادةٌ ومصلحةٌ وموقع، فيخرج تجريدُه الصافي محكومًا بما لا يراه. وبذلك فقد العقلُ حياده الذي كان عماد سلطته في عصر الأنوار.
أمّا (نيتشه) فحمل المِعولَ إلى الأساس الميتافيزيقيّ كلّه. أعلن «موتَ الإله» إيذانًا بانهيار المرجع المتعالي الذي كان يَكفُل للمعنى ثباته وللقيم رسوخها، فإذا الأرضُ تنسلُّ من تحت أقدام الحقيقة المطلقة. وحفر في أنساب الأخلاق والمعرفة، فوجد تحت ادّعاء الحقيقة النزيهة إرادةَ قوّةٍ تفرض نفسها باسم الموضوعيّة. بذلك انقلب «التيقُّنُ السِّياديّ» على نفسه، فما زعم أنّه معرفةٌ مجرّدةٌ من الغرض انكشف رغبةً في السيادة ارتدت ثوبَ البرهان.
وامتدّ هذا التصدّع إلى معقل اليقين الأخير: العلمِ الصارم؛ ففي الرياضيّات أثبت (كورت غودل - Kurt Gödel) أنّ كلّ نسقٍ صوريٍّ غنيٍّ بما يكفي يحوي قضايا صادقةً يعجز عن برهنتها بأدواته، فبقي الأساسُ قاصرًا عن إثبات تمامه بذاته. وفي الفيزياء، قرّر مبدأُ اللا يقين أنّ فعل الرصد يدخل في المرصود فيغيّره، فامتنع بلوغُ صورةٍ للطبيعة مستقلّةٍ عن راصدها. بهذا تسلّل "انصداعُ الأساس" إلى البداهة التي قام عليها البناءُ المعماريّ للمعرفة، وفقد «العالَمُ المُحاسَب» شفافيّتَه التامّة التي وعد بها.
يجمع هذه المسالكَ المتباعدة قانونٌ واحد: أنّ اليقين أُتِيَ من أدواته هو. فالشكُّ الذي أسّسه، والنقدُ الذي حصّنه، والصرامةُ التي بها قاس العالم، هي عينها التي ارتدّت على أسسه فقوّضتها من الداخل. وفي هذا "انتحارُ اليقين" حدٌّ يبلغه طلبُ البرهان فيلتفت إلى مطالبه نفسها فلا يجد فيها ما يَسلَم من المساءلة. وعلى هذه الأرض المتصدّعة، حين غاب الأساسُ الضامن وأعوزها مَن يَخلُفه، اتّسع المجالُ أمام لحظةٍ تجعل من غياب الأساس مبدأها — وتلك وجهةُ ما يأتي.
ثالثًا: لحظةُ ما بعد الحداثة وتفكيكُ المرجعيّات
تركت اللحظةُ السابقة العقلَ على أرضٍ متصدّعةٍ يطلب أساسًا فيُعوزه. وحين طال به المقامُ في هذا العَراء، انتقل من احتمالِ غياب الأساس على مضضٍ إلى اتّخاذه منطلقًا ومبدأ. هنا تتبدَّى ما بعد الحداثة، بوصفها "شرعنةً للانصداع"؛ حيث تُحيل الجرحَ الذي خلّفه «انتحارُ اليقين» إلى عقيدةٍ تُبنى عليها رؤيةٌ للعالم، فيُمسي ما كان أزمةً تُحتمَل أصلًا يُحتفى به. وانقلب السؤالُ عندئذٍ من استعادة الأساس إلى كيفيّة التفكير والحياة بلا أساسٍ على الإطلاق.
كان ( جان فرانسوا ليوتار- Jean-François Lyotard) أوّلَ من صاغ هذه الحال في عبارةٍ جامعة حين عرّف ما بعد الحداثة بأنّها «الارتيابُ في السرديّات الكبرى». فالحداثةُ شرّعت معارفها بالاستناد إلى حكاياتٍ كبرى تَعِد بغايةٍ جامعة: تحرُّرُ الإنسانيّة بالعقل، وتقدُّمُ الروح في التاريخ، وتراكمُ العلم نحو حقيقةٍ نهائيّة. هذه الحكاياتُ منحت المعرفةَ مشروعيّتها، وربطت شتاتَها بمقصدٍ واحد. وحين تهاوت مصداقيّتها، تناثرت المعرفةُ إلى ألعابٍ لغويّةٍ محلّيّةٍ متجاورة، لكلٍّ قواعدُها، من غير محكمةٍ عليا تَفصِل بينها. بهذا فقد "التيقُّنُ السِّياديّ" سندَه الكونيّ، وتقلّص من ادّعاء الكلّيّة إلى تعدُّدٍ من الخطابات لا يعلو أحدُها على الآخر بحقٍّ مُبرهَن.
ومضى (جاك دريدا- Jacques Derrida) إلى صميم العلاقة التي قام عليها اليقين: علاقةِ الدالّ بالمدلول. أبان أنّ المعنى يأبى أن يحضر حضورًا تامًّا في اللحظة، فالدالُّ يُحيل إلى دالٍّ آخر في سلسلةٍ لا تنغلق، ويتأجّل المدلولُ الأخيرُ على الدوام من غير أن يبلغه القارئ. على هذا قام "المعنى المُرجَأ" وهو معنىً يتولّد من الفروق والإحالات، يَعِد ولا يفي، ويُشير إلى ما يتجاوزه أبدًا. وغاب "المدلولُ المتعالي" الذي كان يُؤمَل أن يوقف انزلاق العلامات ويُرسي الكلامَ على أرضٍ ثابتة. صار النصُّ نسيجًا مفتوحًا يفكّك نفسه بنفسه، ويحمل في طيّاته ما يقوّض ما يدّعيه.
وأزاح (ميشيل فوكو - Michel Foucault) الذاتَ عن موقع الأصل الذي رفعتها إليه "الأَنْوَنة" في فجر الحداثة. أبان أنّ الذاتَ نفسها أثرٌ تنتجه شبكاتُ المعرفة والسلطة وتُشكّله ضمن قواعدها، فالخطابُ يتقدّمها ويُملي حدودَه عليها. هكذا حلّت "الذاتُ الأثَر" محلّ "الذات العارفة"، حصيلةً لعلاقاتٍ تَسبقها وترسم لها مدى ما تستطيع قولَه والتفكيرَ فيه، بعد أن حُسبت في فجر الحداثة منبعًا للمعنى ومُؤسِّسًا له. ومن قِران المعرفة بالسلطة وُلدت "الحقيقةُ المصنوعة" وهي حقيقةٌ تُنتَج داخل أنظمةٍ للقول، لكلّ مجتمعٍ نظامُه الذي يقرّر ما يُعَدّ صدقًا ومَن يملك سلطةَ التصديق. بذلك اكتمل الانقلابُ الذي بدأه (نيتشه)، فالحقيقةُ وجهٌ للسلطة قبل أن تكون كشفًا عن واقع.
وبلغ هذا المسارُ منتهاه عند (جان بودريار - Jean Baudrillard) حين انفصلت العلامةُ عن مرجعها انفصالًا تامًّا. أبان أنّ الصورة في عالم الإعلام والاستهلاك تتقدّم الواقعَ وتحلّ محلّه، وتصنعه على هيئتها، حتّى استوت سابقةً على ما تزعم تمثيله. هذا هو "سَبْقُ المُحاكاة" ونعني به أن تسبق الخريطةُ الأرضَ، وتسبق الصورةُ أصلَها، حتّى يضيع الأصلُ خلف نسخه ويستحيل العالمُ فرطَ واقعٍ تتوالد فيه الصورُ من غير سندٍ في شيء. وهنا ينقلب "نُكوصُ الغَيب" على وعده انقلابًا غريبًا: فالعالم الذي وُعِد بأن يصير شفّافًا للعقل متى رُدَّ كلُّه إلى محسوبٍ مقيس، أمسى مُعتِمًا من فرط ما غطّته الصورُ، فاحتجب الواقعُ خلف وفرة تمثيلاته كما احتجب من قبلُ خلف غيبه.
بهذه الحركات المتضافرة اكتمل انقلابُ المِعمار الذي شيّدته الحداثة. صارت الحقيقةُ مصنوعةً بعد أن كانت مكتشَفة، والذاتُ أثَرًا بعد أن كانت أصلًا، والمعنى مُرجأ بعد أن كان حاضرًا، والواقعُ صورةً بعد أن كان مرجعًا للصورة. وما كان "انصداعُ الأساس" في اللحظة السابقة عَرَضًا يُشكى منه، غدا في هذه اللحظة مبدأ يُنطَلق منه. تفكّكت المرجعيّاتُ الكبرى — العقلُ، والذات، والمعنى، والواقع — تباعًا، وخلا الميدانُ من مركزٍ ثابتٍ تدور حوله المعرفة.
وفي هذا التفكيك وجهان متلازمان. وجهٌ محرِّر؛ إذ كشف عن إرادة القوّة الكامنة في دعاوى الحقيقة الكلّيّة، وفكّ أسرَ الفكر من وثوقيّةٍ نصّبت تصوّرًا خاصًّا مقياسًا مطلقًا، وأنصت إلى أصواتٍ أقصتها السرديّاتُ الكبرى وداست عليها باسم العقل والتقدّم. ووجهٌ مُهلِك؛ إذ متى صار كلُّ أساسٍ صنيعةَ سلطة، تهاوت معه المعاييرُ التي يُفرَّق بها بين الصدق والكذب، وبين العدل والجور، وبين المقاومة والإذعان؛ فإنّ القولَ بأنّ الحقيقةَ كلَّها صناعةٌ يَسحب البساطَ من تحت كلّ نقدٍ ومن تحت ناقدِه معًا. وعلى هذه العتبة الملتبسة، حيث يستحيل غيابُ المعيار ذاتُه معيارًا، تنفتح تجربةُ الفوضى المعرفيّة حالًا تُعاش.
رابعًا: الفوضى المعرفيّة بوصفها حالًا وجوديًّا
لم تَلبَث آثارُ التفكيك حبيسةَ قاعات الدرس، فللأفكار جاذبيّةٌ تَجذبها إلى أرض الحياة حتّى تصير تجربةً قبل أن تكون نظريّة. وما شخّصه الفلاسفةُ غيابًا للأساس، تحوّل عند الإنسان العاديّ إلى شعورٍ بأنّ الأرض تميد تحت قدميه. هنا تنكشف الفوضى المعرفيّة حالًا تُعاش لا قضيّةً تُتداول في كتاب؛ إذ تنزل من سماء التجريد إلى يوميّات الناس، فتطبع علاقتهم بالحقيقة وبأنفسهم وبالعالم.
فحين تتلاشى المعاييرُ المشتركة التي يُحتكَم إليها في الفصل بين الصادق والزائف، يحلّ زمنُ «ما بعد الحقيقة»؛ حيث يَغلِب الانفعالُ على البرهان، ويُقنِع التكرارُ والإبهارُ حيث يعجز الدليل. تصير "الحقيقةُ المصنوعة" ممارسةً يوميّة: رواياتٌ متنافسةٌ لكلٍّ منها جمهورُها، من غير مرجعٍ أعلى يَفصِل بينها. ومع تكاثرها تتآكل ثقةُ الناس بالمؤسّسات التي كانت تَضمَن المعرفةَ من علمٍ وصحافةٍ وخبرة، حتّى يصبح كلُّ قولٍ موضعَ ارتيابٍ مسبق، ويُساوَى بين الراسخ في البرهان والمُلفَّق على عجل.
ويضاعف هذه الحالَ طوفانٌ من الصور والروايات بلا مرساة، حتّى صار "سَبْقُ المُحاكاة" بيئةً يوميّةً يَسبح فيها الفردُ غارقًا في معلوماتٍ تَفيض عن طاقته، وعاجزًا عن فرز الصحيح من المُختلَق. وفي هذا الغرق تَلين مقاومةُ الوعي وتَرِقّ، فينفتح المجالُ لمن يملك أدوات التمثيل ووسائل التأثير؛ ذلك أنّ غياب الأساس يترك فراغًا يأبى أن يبقى خاليًا، فتملؤه القوّةُ التي تُحسِن صياغة الإدراك وتوجيه الانتباه. وهكذا تُعاش الفوضى مفروضةً بقدر ما تُعاش عفوًا؛ إذ ثَمَّة من يستثمرها ويُغذّيها، فكلّما تشظّى المعيارُ في وعي الجماعة سَهُل تشكيلُه من خارجه. وعند هذا الحدّ تنقلب أزمةُ المعرفة ساحةً للصراع على الوعي نفسه.
وفي ما وراء الفضاء العامّ، يدفع الفردُ ثمنَ هذا الغياب في أعماقه. فالذاتُ التي فقدت موقعها أصلًا، وصارت "ذاتًا أثَرًا" تتلقّى صورتها من خارجها، تعيش "دوارَ المعنى"، وفقدانَ البوصلة الذي يصيب مَن يُخيَّر بلا حدٍّ، ويُطالَب بأن يصنع ذاته من غير مقياسٍ يهتدي به. تتشظّى الهُويّةُ إلى أقنعةٍ متبدّلة، ويثقل على المرء عبءُ حرّيّةٍ بلا مرجع؛ إذ يملك أن يختار كلَّ شيء ويُعوزه ما يُلزِمه باختيارٍ دون آخر. ومن هذا الدوار يتولّد قلقٌ مُقيمٌ يأبى السكون؛ لأنّه قلقٌ بلا موضوعٍ محدّدٍ يُواجَه ويُتجاوَز.
وعند منتهى هذا الطريق تنتظر العدميّة. فالنسبيّةُ متى حُملت إلى آخرها انتهت إلى ريبةٍ في أن يكون شيءٌ أصدقَ من شيءٍ أو أجدرَ، فتفقد الإرادةُ موضوعها، فتدور على ذاتها فارغة. وأمام هذا الفراغ يتوزّع الناسُ بين يأسٍ صامتٍ من جدوى المعنى، وهروبٍ محمومٍ إلى الاستهلاك والتسلية والإبهار يملأ به المرءُ ما يأبى الامتلاء. وقد أبصر (نيتشه) هذا الضيفَ مُقبلًا حين سمّى العدميّة أغربَ الضيوف الواقفِ على الأبواب. وهكذا يُسلِّم "العالَمُ المُحاسَب" الذي وعد بالسيادة عالمًا متاحًا بين اليدين، وخاويًا من معنىً يُسوّغ العيش فيه.
ويتجاوز الأثرُ الأفرادَ إلى الحضارة في كيانها. فالحضارةُ التي تعجز عن تأسيس قيمها تعجز عن الدفاع عنها وعن توريثها لأبنائها. والغربُ الذي حلّ أُسسَه بيده يجد نفسه عاجزًا عن أن يقول لماذا تستحقّ حرّيّتُه أن تُصان دون نقيضها، ولماذا عدلُه أَولى من جور سواه؛ فمَن نزع المعيارَ عن نفسه فقد القدرةَ على أن يحتجّ به على غيره. هذا هو الإرهاقُ الكامن في قلب الانتصار: ظفرٌ ماديٌّ بالعالم يقترن بعجزٍ عن تبرير الظفر، وسيادةٌ على الأشياء تصاحبها حَيرةٌ في المعنى. وعند هذا الحدّ تنكشف الفوضى المعرفيّة على حقيقتها أزمةَ حضارةٍ فقدت القدرةَ على توكيد ذاتها بعد أن ملكت القدرةَ على إخضاع كلّ شيء.
وعلى هذا تُلقي الفوضى المعرفيّة سؤالها علينا نحن الواقفين على تخوم المنظومتين: أمحنةٌ غربيّةٌ داخليّةٌ نرقبها من بعيد، أم تبلغنا عبر قنوات الهيمنة الرمزيّة فتُصدَّر إلينا كما تُعاش هناك؟ فالعدمُ متى صُنِع عُمِّم، والوعيُ المُتشظّي في مركزه قابلٌ لأن يُشظَّى في أطرافه. وفي هذا السؤال — أين نقف؟ وبأيّ أساسٍ نُجيب؟
خامسًا: من موقع المراقبة إلى موقع المساءلة — أين نقف نحن؟
يميل المرءُ بعد تتبُّع هذا القوس إلى موقف المُراقِب، فيَعُدّ تشظّي اليقين الغربيّ شأنًا داخليًّا يجري على ضفّةٍ أخرى. وهذا الموقفُ يَغفل عن أنّ الهيمنة الرمزيّة ألغت المسافة بين الضفّتين، وجعلت الحالَ الغربيّة محيطًا ثقافيًّا يشمل أطرافه كما يشمل مركزه. والانتقالُ من المراقبة إلى المساءلة يقوم على إدراك هذا الاتّصال: وضعُ وعينا داخل المعادلة موضعَ الفحص، قبل إصدار الحكم فيها.
وفي هذا الموضع خطآن متقابلان. الأوّل أن نقرأ أزمةَ الغرب نصرًا لنا، فنخلط بين وَهَن الخصم وصحّة الذات، ونغفل عن تسرُّب الفوضى نفسها إلى داخلنا. والثاني أن نستورد التفكيكَ والنسبيّةَ بوصفهما خلاصةَ الفكر المعاصر، فنتبنّى "شرعنةَ الانصداع" ونحن نحسبها تحرّرًا، ونَنقل "دوار المعنى" إلى وعيٍ قام على أساسٍ مغاير. الأوّل يحجب عنّا خطرًا قائمًا، والثاني يَستقدمه طوعًا.
يفترق موقعُنا في النظر عن الموقع الذي بدأت منه الحداثة. فالتراثُ الفلسفيّ الذي ننتمي إليه لم يمرّ بـ "الأَنْوَنة" التي نصّبت العقلَ المُكتفيَ بذاته أساسًا أوحد؛ فقد وَصَل المعرفةَ بالوجود، وأسند نظامَ المعنى إلى مرجعٍ متعالٍ أبقاه فوق صنع البشر، وأنزل العقلَ منزلةً رفيعةً دون أن يجعله مصدرَ الحقّ الوحيد. وهذا الموقعُ يُتيح أفقًا يتجاوز ثنائيّةَ المأزق الغربيّ — الوثوقيّةَ المغلقة والعدميّةَ المفتوحة — لأنّه يحفظ في تكوينه صورةَ أساسٍ يَرسُخ دون أن ينغلق.
وعلى هذا الأساس يتحوّل تصدُّعُ اليقين الغربيّ إلى مسألةٍ مطروحةٍ للنظر: إمكانِ إعادة تأسيس المعرفة على أرضٍ تَصِل العقلَ بالمتعالي، وتَصِل الذاتَ العارفةَ بالنظام الذي تنتمي إليه، فتُجاوِز وثوقيّةَ الحداثة وعدميّةَ ما بعدها. وهذا هو "اليقينُ المفتوح"، يقينٌ يستند إلى أساسٍ يتجاوز الذات، ويبقى منفتحًا على النظر والمراجعة، يُقِرّ بالحقيقة دون ادّعاء امتلاكها امتلاكًا نهائيًّا، ويثبت على مرجعٍ دون أن يتجمّد عنده. وهو يفارق "التيقُّنَ السِّياديّ" الذي قاس المعرفةَ بقدرتها على الإخضاع، و"شرعنةَ الانصداع" التي رفعت غيابَ الأساس مبدأ.
وهذا الأفقُ تكليفٌ قبل أن يكون حصيلة. ومساءلةُ الغرب تستلزم مساءلةَ الذات أوّلًا، لقياس ما رسب من الفوضى في إدراكنا دون أن نشعر. وهذه "مساءلةٌ مُرتدّة" نوجّهها إلى وعينا، نميّز بها ما هو أصيلٌ من تكويننا ممّا هُندِس فيه من خارج عبر أدوات الهيمنة. والوعيُ الذي يُهمل فحصَ نفسه يبقى عاجزًا عن تقديم بديل، مكتفيًا بردّ الفعل على ما يرفضه.
وخلاصةُ الأمر أنّ الحضارةَ التي تَحلّ أُسسها تَعجز عن الهداية، والتي تُجدّد أُسسها بالنقد تَقدِر عليها. وما انتهى عنده الغربُ من تشظٍّ يصلح أن يكون عندنا مبتدأ لإعادة تأسيس، تُستعاد فيه صلةُ المعنى بأساسه وصلةُ العقل بما يتجاوزه. وفي هذا التحويل — من نهايةٍ هناك إلى بدايةٍ هنا — جوهرُ الموقف الذي يقتضيه النظر: موقفٌ يتجاوز الشماتةَ والاقتباس معًا، ويقوم على مساءلةٍ نبدأها بأنفسنا ونمدّها إلى غيرنا.
يتبيّن من هذا المسار أنّ انتقال الغرب من اليقين إلى الفوضى حركةٌ واحدةٌ متّصلة، تجري بمنطقٍ داخليٍّ لا بحادثٍ طارئ. فالصرامةُ التي شيّدت صرحَ اليقين على "الأَنْوَنة" و"التيقُّن السِّياديّ" هي عينها التي ردّت الشكَّ إلى أسسه في "انتحار اليقين"، ثمّ رفعت غيابَ الأساس مبدًا في "شرعنة الانصداع"، حتّى استقرّ الأمرُ عند "دوار المعنى" حالًا تُعاش. والفوضى المعرفيّة على هذا ثمرةٌ ناضجةٌ لليقين المغلق، تكمن بذرتُها في لحظة تأسيسه.
وفي هذا للناظر من موقعنا درسان متلازمان: تحذيرٌ من استيراد هذه النهاية بوصفها فكرًا متقدّمًا، ودعوةٌ إلى إعادة التأسيس على "اليقين المفتوح" الذي يَصِل المعرفةَ بأساسٍ يتجاوز الذات دون أن يُغلِقها. والشرطُ الأوّل في ذلك "مساءلةٌ مُرتدّة" نبدأها بفحص وعينا، لنميّز ما رسب فيه من الفوضى عمّا حفظه من أساسه. وبهذا يصير ما انتهى عنده الغربُ مدخلًا لعملٍ نظريٍّ نضطلع به من موقع المُسائِل المُؤسِّس.
من هذا الموقع — موقعِ المساءلة والتأسيس — تنطلق دراساتُ هذا العدد. فقد عُنيت بمعالجة الفوضى المعرفيّة في ما بعد الحداثة من زواياها المتعدّدة: في جذورها الفلسفيّة، وفي آليّات انتقالها إلينا، وفي ما يختزنه تراثنا من إمكاناتٍ لإعادة بناء أساسٍ للمعرفة يتجاوز ثنائيّةَ الوثوقيّة والعدميّة.
وقد جاءت أبحاث محور العدد وفق الآتي:
افتتح المحور بدراسة بعنوان: "العَقْلُ وَالحَقِيْقَةُ فِي الغَربِ الحَدِيثِ: تَحَوُّلَاتُ التَّأْسِيسِ وَمَآلَاتُ اليَقِينِ" قدمها الأستاذ الدكتور (منذر جلوب) من العراق. وفي الدراسة الثانيّة كتب الأستاذ الدكتور (وائل أحمد خليل الكردي) من السودان "العِلْمُ بِلا يَقِيْن أَزْمَةُ المَوْضُوعِيَّةِ فِي المَعرِفَةِ الحَدِيْثَةِ". أما الدكتور (محمود كيشانه) من جمهورية مصر العربية فقد تكفل بالبحث الثالث بحث فيه "ما بعد الحداثة: حين أصبح الشك عقيدة معرفية". فيما البحث الرابع خطه الأستاذ الدكتور (علي حسن أحمد) من مصر أيضًا وكان بعنوان: "الإِعلَامُ وَصِنَاعَةُ الفَوْضَى المَعرِفِيَّةِ"، وآخر أبحاث المحور كان من نصيب الأستاذة الدكتور (نزهة بو عزة) من المغرب وحمل عنوان: "سؤال المصير الحضاري الغربي الراهن".
أما باب التأصيل، فقد تصدى لبحثه السيد (هشام حسن مرتضى) من لبنان حيث كتب عن " اليَقِيْنُ وَالمَعرِفَةُ فِي التَّصَوُّرِ الإِسْلَامِيِّ: نَحو أُفُقٍ مَعرِفِيٍّ بَدِيْلٍ عَن الفَوْضَى الغَربِيَّةِ".
وفي باب دراسات وبحوث فقد وقع الاختيار على بحث للدكتور (أحمد البهنسي) من جمهورية مصر العربية بعنوان: "توظيف الصهيونية لعقيدة «الماشيَّح» اليهودية وانعكاساتها على الممارسات الإسرائيلية العدوانية".
وأخيرًا، وفي باب قراءة في كتاب، لخصت لنا الكاتبة السورية (لينا السقر) كتاب: "الحداثة وما بعد الحداثة" لـ (عبد الوهاب المسيري) و(الدكتور فتحي التريكي).
إنَّ إدارة المجلَّة إذ تتمنَّى لكم قراءة ماتعة لهذا العدد، فإنَّها في الوقت نفسه تتمنَّى ألا يبخل القُرَّاء عليها بملاحظاتهم القيِّمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين




التعليقات