
صاغ العصر الحديث للثورة مفهومًا خاصًّا، ربطها فيه بتغيير السلطة، وصراع الطبقات، والبنى الماديّة للمجتمع. أعطى هذا المفهوم الثورةَ صورةً سياسيّة واقتصاديّة، وترك وراءه أسئلةً معلّقةً عن روحها وغايتها ومصيرها: لماذا تشيخ الثورات وتذبل؟ وما الذي يصلها بالإنسان في عمقه، بمعناه وقيمه ومصيره؟ أسئلةٌ يقصر عنها المفهوم الماديّ وحده.
تتعدّد صور الثورة في التجربة الإنسانيّة: ثوراتٌ سياسيّة تُسقط حكمًا وتُقيم آخر، وثوراتٌ اجتماعيّة تُبدّل بنية المجتمع، وثوراتٌ فكريّة تُغيّر نظر الإنسان إلى نفسه والعالم. وبين هذه الصور يبقى المشترك غامضًا: ما الذي يجعل حركةً ثورةً بحقّ، وما الذي يميّزها من مجرّد اضطرابٍ عابرٍ أو انقلابٍ في القمّة؟ السؤال قديمٌ، والإجابات عنه صاغت مدارس بأكملها في الفكر السياسيّ الحديث.
ونظرت كثيرٌ من هذه المدارس إلى الثورة من زاوية واحدة، فاختزلتها في تبدّل موازين القوّة، أو في حتميّة ماديّة تحكم حركة التاريخ. تركت هذه النظرة الإنسانَ في هامش الثورة، وأغفلت بُعده المعنويّ والقيميّ والأخلاقيّ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيرٍ يعيد الإنسان إلى قلب الثورة، ويصلها بمعناه وغايته، ويجيب عن سؤالٍ يقصر عنه المفهوم السائد: ما الثورة في حقيقتها؟ وإلى أين تسير؟
يحتاج فهم الثورة نظرًا فلسفيًّا يتقدّم على الحدث، ويسائل المفهوم قبل الوقائع. النظر ...
وقد راعى أن يكون تقسيم العناوين ضمن أسس تخدم الهدفيّة منه، لذلك بدأ بمدخل ذي طبيعة مفاهيميّة، عالج الأبعاد اللغويّة والاصطلاحيّة. والهدف من هذا توضيحيّ، ثم انتقل للحديث عن حركيّة المفهوم في العالم الإسلامي، حيث عمل على رصد وصوله وآليّة التعامل معه، ليصل إلى العنوان الثالث وهو الثورة عند الإمام (الخامنئي) (قدس سرّه)، حيث عرّف مفهوم الثورة لديه وقارنه بالفكر الغربي، فأظهر خصوصيته وأركانه، ومن خلال هذه المقارنة أظهر فرادة الرؤية لدى الإمام. وختم البحث كلامه بقراءة سوسيو-سياسيّة للمصطلح، وختم الكلام بخاتمة أظهرت النتائج التي توصل إليها البحث.
...وعلى الرغم من الآثار القاسيّة للحصار الاقتصادي على الشعب، والحروب الكثيرة التي مرت بها الجمهوريّة الإسلاميّة، فهي بمثابة المحكّ الذي اختُبرت فيه القيَم والمُثُل عند القيادة الدينيّة والسياسيّة. ومن أجل الإجابة عن السؤال: هل يمكن للقيادة الإيرانيّة أن تجبرها الظروف السياسيّة والاقتصاديّة على أن تتنازل عن قيمها الأخلاقيّة والإنسانيّة أو على الأقل هل من الممكن أن تساوم عليها؟ باعتقادي أنّ التاريخ الجهادي والعمق الفكري للإمام (الخامنئي) (قدس سره)، وما يمتلكه من خبرة وعلم وإيمان، يجعل من الصعب القبول بإمكانيّة القول إنّه يمكن التنازل عن مثل تلك القيَم والمبادئ العليا للنظام الإسلامي؛ لأنها قضايا مبدأ ودين وعقيدة وأخلاق، لا تسمح للنظام بالتنازل عنها أبدًا، بل إن المحن تزيده شدة وقوة وصلابة في الدفاع عن تلك القيَم والمُثُل الأخلاقيّة، حتى لو كان الثمن هو الشهادة.
، ، ، ، ، ، ، .
...وتقدم الدراسة رؤية السيد (الخامنئي) المتميزة للثورة الإسلاميّة بوصفها مشروعًا حضاريًا عالميًا، مع احتفاظها بخصوصيتها الثقافيّة والتاريخيّة الإيرانيّة، ويميز بين الدولة الثوريّة والدولة التقليديّة من خلال معايير جوهريّة تتصل بالحركة المستمرة، والروح الثوريّة في المؤسسات، والعلاقة العقائديّة بين القيادة والجماهير. وتطرح الدراسة تصورًا يجمع بين السيادة الإلهيّة كمصدر أسمى للتشريع والسيادة الشعبيّة كحق للأمة في اختيار نظام حكمها، من خلال التمييز بين السيادة التشريعيّة والسيادة التنفيذيّة. تعالج الدراسة أيضًا إشكالية التوفيق بين الثبات العقدي ومتطلبات إدارة الدولة عبر التمييز بين الثوابت والمتغيرات، وبين العدل السلبي والعدل الإيجابي، وخلصت الدراسة إلى أن فكر السيد (علي الخامنئي) يمثل إضافة نوعيّة للفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
...والتّبيين الذي يعدّه القائد جزءًا أساسيًّا من استراتيجيّات العمل الثّوريّ منذ بداية الثّورة يزداد قيمة وضرورة كلّما اشتدّت هذه المحاولات التي تستهدف عقول الشّعوب بهدف القضاء على عقائد النّاس ومبادئهم وروحهم الثّوريّة الباعثة على رفض الهيمنة والاستكبار. أمّا الثّورة فهي حركة مستمرّة لا تنتهي حتى تحقّق أهدافها النّبيلة وآثارها الجليلة، غير أنّها تحتاج في استمرارها وديمومتها إلى التّبيين الواعي والفعّال والمستند إلى أُصول فكريّة وعمليّة. سنتناول في هذا البحث أُصول التّبيين ومساره في حياة الإنسان، ومن ثَمّ سننتقل إلى بيان الخارطة العمليّة لهذا الجهاد الفكريّ بما يحقّق ديمومة الثّورة.
...وتستند هذه الرؤية إلى مرجعيّة القرآن الكونيّة وقاعدتها التوحيد. ولذا سيكون هدف الحضارة الإسلاميّة بناء الإنسان، وتلبية حاجاته الماديّة، والمعنويّة، والروحيّة في الوقت نفسه.
إنّ الاستقلال الحضاري الذي يتطلّع إليه السيد (الخامنئي)، يُفترض أن يتحقق في إنتاج الثقافة أولًا، وفي تكريس القيَم العلميّة والفكريّة، وفي مناهج التعليم في الجامعات، وفي نشر القيَم الأخلاقيّة والإنسانيّة، وفي الاقتصاد، وفي بناء القدرات الدفاعيّة، وفي القيَم السياسيّة، أي عدم التبعيّة في مجالات الحياة كافة.
من هذا المنظور للاستقلال الحضاري، يؤكد السيد (الخامنئي)، في الوقت نفسه، على الوحدة مع باقي الشعوب والدول الإسلاميّة، لتحقيق التحرر السياسي والانعتاق المعرفي.
، ،
...منهج البحث المتّبع في هذه الدراسة هو المنهج الوصفيّ-التحليليّ، والإطار هو تأثير الحقول السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة في ظهور التفسير السياسيّ للمفاهيم القرآنيّة وما لها من دور في تقدّم حركة الثورة الإسلاميّة والاستخدامات الخاصّة بها. وقد أفاد آية الله (الخامنئيّ)، قبل الثورة الإسلاميّة، من القرآن الكريم في التفسير السياسيّ للمفاهيم العقديّة كالتوحيد والنبوّة والإمامة في خضمّ الحركة الجهاديّة والنضال والثورة على الوضع المسيطر آنذاك من استبداد داخليّ وارتهان خارجيّ وهيمنة. وقد انكبّت تفاسيره السياسيّة بعد الثورة على هيكليّة النظام السياسيّ والنضال ضدّ الهيمنة والدعوة للتآخي ووحدة المسلمين.
...وتنطلق من إشكاليّة مركزيّة هي: كيف يتحول الصمود أمام الحرب الاقتصاديّة والثقافيّة إلى استقرار يوميّ يحفظ الإنتاج والوعي؟ وتعتمد المقالة منهجًا تاريخيًّا تحليليًّا يربط بين جهاد البناء بوصفه تأسيسًا للعمران الاجتماعيّ، والاقتصاد المقاوم بوصفه بناءً للمناعة، والجهاد الاقتصاديّ والثقافيّ بوصفه تحويلًا للمناعة إلى تكليف اجتماعيّ ومؤسسيّ، وتخلص إلى أنّ العامل والمعلّم يمثلان ركيزتَي المرحلة الجديدة؛ فالأول يحفظ الإنتاج، والثاني يحفظ الوعي، وأنّ نجاح هذا الجهاد يتوقف على تكامل الدولة والمجتمع في حماية العمل، والإمداد، والسوق، والتعليم، والثقة العامة. وتؤكد الدراسة أنّ الاستقرار المقصود ليس رفاهًا استهلاكيًا، بل طمأنينة قائمة على الإنتاج والمعرفة والسيادة والعدل، وأنّ وظيفة القيادة هنا هي نقل المجتمع من منطق الاحتمال السلبيّ للأزمة إلى منطق المشاركة المنظّمة في إدارتها ومجاوزتها، عبر مؤسّسات قادرة على القياس والمراجعة.
...
التعليقات