مجلة أمم العدد الحادي عشر: الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ وَتَحَوُّلاتُ الإِنْسَانِ

مشاركة هذا الموضوع :

ملخصات البحوث

ثمَّة أسئلةٌ تنامُ في أعماق الفلسفة قرونًا طويلة، لا يُوقظها إلا أن يُزلزل التاريخُ الأرضَ من تحت أقدام البشر. أسئلة ترتبط بالإله والإنسان والكون؛ سألها الإغريق، ثمَّ سألها المسلمون، ومن بعدهم سألها الأوروبيّون.

 واليوم، يجد البشر أنفسهم أمام سؤالٍ من جنسٍ آخر، أكثر حدّةً وأشدّ إلحاحًا؛ لأنَّه لا يتعلّق بما يُحيط بالإنسان أو يخدمه بل يتعلّق به هو نفسه، بما اعتقد أنَّه حكرٌ عليه، وملكيّتُه الأبديَّة التي لا تُنازَع: عقلُه، وتفكيرُه، وقدرتُه على الخلق والفهم والتأويل.

لم يكن الذكاء الاصطناعي وليدَ يومٍ واحد. فقد تراكمت إرهاصاتُه عقودًا، وتقاطعت فيه مسارات الرياضيات، والمنطق، وعلم الأعصاب، والفلسفة، وعلوم الحاسوب، حتى بلغ في السنوات الأخيرة عتبةً تُعيد فيها تعريفَ الممكن. لكنّ ما يُميّز اللحظةَ الراهنة ليس تراكمَ الإمكانات التقنيَّة وحسب، وإنَّما بلغ هذا التراكم حدًّا باتت معه الأسئلةُ الوجوديَّة تفرض نفسها بإلحاحٍ لا يحتمل التأجيل: ما الإنسان؟ وما الذي يُعرّفه؟ وأين تقع الهوّة الفاصلة بينه وبين ما صنعه بيديه؟

هذا العدد يتوقّف عند هذه العتبة. لا يحتفي بالتقنيَّة احتفاءً ساذجًا، ولا يرفضها رفضًا ردّة فعل. يقرأها قراءةً فلسفيَّة ونقديَّة تحترم عمقَ السؤال، وتأبى أن تنزلق إلى الأحكام المسبقة. وهذه الافتتاحيَّة ليست مقدّمةً لمضمون العدد فحسب، بل هي محاولةٌ أولى للنظر في المرايا التي يُقيمها هذا الكائنُ الجديد أمام وجهنا، وما يعكسه فيها من صورةٍ قد لا نكون مستعدّين لرؤيتها.

تتناول هذه الدراسة البُعد الإبستمولوجي (المعرفي) للذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تُعيد تشكيل مفهوم الحقيقة والمعرفة في العصر الرقمي.

 يناقش البحث كيف تُنتج الخوارزميَّات – التي تهيمن عليها بيئات التطوير الغربيَّة – معرفةً مُعولمة تعكس في الغالب قيمًا ومعايير وتصنيفات نابعة من السياق الغربي، ما قد يؤدِّي إلى تهميش أو تشويه المنظومات المعرفيَّة الأخرى. كما يحلّل الآليَّات التي تُعيد من خلالها الخوارزميَّات إنتاج علاقات القوَّة التاريخيَّة والثقافيَّة، ويكشف عن ظاهرة الاستعمار الإبستمولوجي الرقمي. أخيرًا، يقدِّم البحث رؤية نقديَّة لادِّعاء حياديَّة التقنيَّة، ويقترح إطارًا معرفيًّا بديلًا قائمًا على التعدديَّة الإبستمولوجيَّة والعدالة المعرفيَّة في تصميم وتطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي.

تتناول الباحثة في هذه الدراسة الإشكاليَّة الجوهريَّة المتمثِّلة في كيفيَّة مساهمة التحيّزات الخوارزميَّة، المشتقَّة من ممارسات اجتماعيَّة وثقافيَّة، في تقبُّل البشر لها، واستسلامهم لتأثيرها في حياتهم اليوميَّة.

 وتتجلَّى الأسئلة الرئيسة لهذه الدراسة في: كيف تتحوَّل الخوارزميَّة من أداة عقلانيَّة إلى فاعل خُلُقي متحيّز؟ وما أشكال التحيّز ومصادره؟ وما استراتيجيَّات معالجته؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، يتوجَّب على الباحثة تحليل العلاقة بين التحيّزات الإنسانيَّة والخوارزميَّة وفهم الآليَّات التي تجعل البشر يقبلون بها. وقد اعتمدت الباحثة على المنهج التحليلي لدراسة نماذج متنوّعة من الخوارزميَّات، وتحليل دمج التحيّزات البشريَّة فيها وربطها بسلوكيَّات الأفراد.

وقد توصَّلت الباحثة إلى مجموعة مُهمَّة من النتائج، لعلَّ من أبرزها أنَّ الخوارزميَّات ليست محايدة، بل تحمل ضمنيًّا قيمًا وتصوّرات بشريَّة تعيد إنتاج أشكال التمييز الاجتماعي، وتمنحها شرعيَّة زائفة على أساس الموضوعيَّة، الأمر الذي يترتَّب عليه صعوبة الاعتراض عليها. كما بينت الباحثة أنَّ التحيّز الخوارزمي يؤثّر على جلّ المجالات الحيويَّة، مثل التوظيف، والعدالة، والرعاية الصحيَّة، كما يعيد تشكيل علاقات القوّة الاجتماعيَّة.

يتناول النصّ تحوُّلات العمل في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي، مبيِّنًا أثرها في الاقتصاد والمجتمع.

 ينطلق من فهم فلسفي للعمل بوصفه أساس تحقّق الإنسان، ثمَّ يعرض مفهوم الاغتراب باعتباره حالة انفصال عن الذات والعمل والمجتمع. ومع التحوُّل الرقمي يتَّخذ الاغتراب شكلًا جديدًا عبر هيمنة الخوارزميَّات والبيانات؛ حيث يُراقَب العامل ويُقوَّم داخل أنظمة غير شفَّافة. كما يناقش تأثير الأتمتة في سوق العمل من خلال تفكيك الوظائف واستبدال المَهام الروتينيَّة، ما يخلق استقطابًا بين وظائف عالية، وأخرى منخفضة المهارة، ويؤدِّي إلى تراجع الطبقة الوسطى. ويبرز دور اقتصاد المنصَّات في تعميق هشاشة العمل، وتحميل الأفراد مخاطر السوق. وعلى المستوى الطبقي يشير إلى صعود نخبة تقنية واتّساع الفجوة الرقميَّة. كما يعالج قضايا خُلُقيَّة مثل الخصوصيَّة والتحيُّز الخوارزمي، مؤكِّدًا أنَّ توجيه التكنولوجيا نحو العدالة يعتمد على السياسات العامَّة والخيارات الاجتماعيَّة. كما يؤكِّد أنَّ مستقبل العمل لن يتحدَّد تقنيًّا فقط بل سياسيًّا وخُلُقيًّا، وأنَّ الحفاظ على كرامة الإنسان يتطلّب تعليمًا مستمرًّا، وحماية اجتماعيَّة، وتشريعات عادلة وشاملة فعَّالة ومستدامة.

إنّ تطوّرات التقانة في مجال الذكاء الاصطناعيّ، والدخول إلى عصر دمج الإنجازات البيولوجيّة والرقميّة، يرسمان صورة عن يوتوبيا الذكاء الاصطناعيّ التي تسعى إلى نقل بنية الدماغ البيولوجيّ إلى الآلات الاصطناعيّة،

 إلى الحدّ الذي يمكن لأدائها أن يتفوّق على أداء الإنسان الحالي، ولكن تحقيق مثل هذه اليوتوبيا برأي (بروس رايشنباخ- R.Reichenbach Bruce) يواجه تحديّات لاهوتيّة وفلسفيّة. يحاول هذا المقال توضيح هذه التحديّات المزعومة وتقويمها من منظور حكمة (ملّا صدرا)، ومتخصِّصي الذكاء الاصطناعيّ في مجالات الهويّة الإنسانيّة، والروحانيّة، وعبادة الله، والإرادة الحرّة، والقرارات الخُلُقيّة. رغم أنّ مخاوف (رايشنباخ) جديرة بالاهتمام، لكنّه على ما يبدو تواجه إشكاليّات بالاستناد إلى آراء المتخصّصين، بما في ذلك عدم الاهتمام ببقاء النماذج الأوليّة، وإمكانيّة نقل المشاعر الدينيّة في التجارب الدينيّة، وإمكانيّة افتراض وجود إله حقيقي كونه متعلَّقًا للتجربة الدينيّة، وإمكانيّة تحقيق نماذج من الإرادة الحُرّة، وإمكانيّة الانتقال إلى الوعي الخُلُقيّ في الذكاء الاصطناعيّ القويّ.

يقدّم هذا البحث مقترحًا أكاديميًّا-حوزويًّا يهدف إلى بلورة تأصيل خُلُقيّ إسلامي يقارب التحدِّيات العميقة التي تفرضها الهيمنة الغربيَّة في مجال الثورة المعلوماتيَّة.

 ينطلق البحث من فرضيَّة ترتكز على أنَّ معالجة الإشكاليّات الراهنة لا يمكن أن تقتصر على تطبيق أحكام جزئيَّة أو حلول تقنيَّة فقط، بل لا بدَّ من استحضار المنظومة الخُلُقيّة برمّتها لبناء توجّه حاكم على مقاربة هذه القضايا.

يعتمد البحث على ترتيب طبقيّ تحليليّ من ثلاثة مستويات؛ تبدأ بتأسيس إطار قيمي مركزي بالاعتماد على محكمات المصادر النقليَّة من القرآن والسنة. ثم ينتقل إلى بناء أطر من القيم الخُلُقيّة التشغيليَّة قبل أن ينتهي بتطبيق هذه المنظومة على أبرز الإشكاليّات المعاصرة.

يسعى البحث إلى تقديم نموذج خُلُقيّ بديل قادر على مساءلة بعض المبادئ التي يستند إليها النموذج الغربي السائد. كما يقترح مسارات عمليَّة تنطلق من بعض أبرز القيم الإسلاميَّة العليا، ويدعم جهود تطوير سياسات حوكمة رقميَّة أكثر اتساقًا مع معتقداتنا الدينيَّة وبنيتنا الثقافيَّة والحضاريَّة.

تتناول هذه الدراسة بالنقد نظريَّتين للمؤرِّخَين الماركسيين الفرنسيين (روني غاليسو-René Gallisot) والمؤرخة (لوسيت فالنسي- Lucette Valensi) عن نمط الإنتاج السائد في الجزائر ما قبل الاستعمار؛

 نمط الإنتاج الإقطاعي والعتيق. وتُطرح القرصنة بوصفها نمطًا للإنتاج، وبرهنت على أنَّ تحصيل الغنائم من البحر، يعتبر استمرارًا لاقتصاد الغنيمة في بلاد المغرب في العصر الوسيط المرتبط بالبنية القبليَّة، وهي حجر الأساس في المسار الخلدوني لتشكُّل الدولة المغربيَّة.

 كما شرحت الدراسة أنَّ الكيانيَّة الجزائريَّة الحديثة تأسَّست في سياق القرصنة بوصفها نمطَ إنتاجٍ، ولم يكن ذلك حكر عليها بل إنَّ البناء المادِّي لدول وإمبراطوريات أوروبيَّة كبرى، والثورة الصناعيَّة في إنجلترا، حدث في السياق نفسه. وفي الإطار نفسه رامت تخليص تاريخ القرصنة في الجزائر من آثار بعض الأطروحات الاستعماريَّة، وقدَّمت إجابة عن إشكاليَّة إخفاق هذا النمط في الجزائر مقابل نجاحه في أوروبا.

يشهد العالم تحوّلات غير مسبوقة مصدرها التطوّر التكنولوجي الرقمي؛ إذ أصبح بالإمكان تسجيل كل ما يصدر عن البشر وحفظه وبثّه عالميًّا في لحظات، مع قدرة الحواسيب على تحليل هذا الكمّ الهائل من البيِّانات، واستخلاص المعاني والأنماط منها.

 كانت هذه الإمكانات يومًا ما ضربًا من الخيال، لكن اليوم هي واقع يفرض تحدِّيات وأسئلة كبرى عن كيفيَّة توظيفها وتأثيرها على الحكومات والأفراد والأجيال المقبلة. ومن هنا، جاء هذا الكتاب ثمرة عقود من الخبرة في مجال الحوسبة، بهدف تقديم رؤية شاملة ومبسَّطة، تساعد القارئ على فهم الصورة الكبيرة للانفجار الرقمي وآثاره القانونيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة، مع تشجيعه على الاستكشاف والمشاركة في الحوار الدائر في هذه القضايا. يطرح الكتاب قضايا تهمّ جميع المجتمعات الساعية إلى الحُريَّة.

يستعرض الكتاب تأثير الانفجار الرقمي على حياتنا، موضِّحًا كيف أصبح كل ما نقوم به تقريبًا يتحوّل إلى بيانات رقميَّة يمكن تتبّعها وتحليلها، ما يفتح فرص هائلة للكشف عن المعلومات والتواصل، لكنَّه يفرض تحدِّيات كبيرة على الخصوصيَّة، والأمان، والمسؤوليَّة الفرديَّة. 

، ، ، ، ، ،

التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, امم للدراسات الانسانية والاجتماعية