أَوَّلُ الكَلامِ: الوعيُ الأَخِيْرُ: مَا لا تَسْتَطِيْعُ الخَوَارِزْمِيَّاتُ أَنْ تَكُوْنَهُ - د. محمد محمود مرتضى

مشاركة هذا الموضوع :

ثمَّة أسئلةٌ تنامُ في أعماق الفلسفة قرونًا طويلة، لا يُوقظها إلا أن يُزلزل التاريخُ الأرضَ من تحت أقدام البشر. أسئلة ترتبط بالإله والإنسان والكون؛ سألها الإغريق، ثمَّ سألها المسلمون، ومن بعدهم سألها الأوروبيّون.

 واليوم، يجد البشر أنفسهم أمام سؤالٍ من جنسٍ آخر، أكثر حدّةً وأشدّ إلحاحًا؛ لأنَّه لا يتعلّق بما يُحيط بالإنسان أو يخدمه بل يتعلّق به هو نفسه، بما اعتقد أنَّه حكرٌ عليه، وملكيّتُه الأبديَّة التي لا تُنازَع: عقلُه، وتفكيرُه، وقدرتُه على الخلق والفهم والتأويل.

لم يكن الذكاء الاصطناعي وليدَ يومٍ واحد. فقد تراكمت إرهاصاتُه عقودًا، وتقاطعت فيه مسارات الرياضيات، والمنطق، وعلم الأعصاب، والفلسفة، وعلوم الحاسوب، حتى بلغ في السنوات الأخيرة عتبةً تُعيد فيها تعريفَ الممكن. لكنّ ما يُميّز اللحظةَ الراهنة ليس تراكمَ الإمكانات التقنيَّة وحسب، وإنَّما بلغ هذا التراكم حدًّا باتت معه الأسئلةُ الوجوديَّة تفرض نفسها بإلحاحٍ لا يحتمل التأجيل: ما الإنسان؟ وما الذي يُعرّفه؟ وأين تقع الهوّة الفاصلة بينه وبين ما صنعه بيديه؟

هذا العدد يتوقّف عند هذه العتبة. لا يحتفي بالتقنيَّة احتفاءً ساذجًا، ولا يرفضها رفضًا ردّة فعل. يقرأها قراءةً فلسفيَّة ونقديَّة تحترم عمقَ السؤال، وتأبى أن تنزلق إلى الأحكام المسبقة. وهذه الافتتاحيَّة ليست مقدّمةً لمضمون العدد فحسب، بل هي محاولةٌ أولى للنظر في المرايا التي يُقيمها هذا الكائنُ الجديد أمام وجهنا، وما يعكسه فيها من صورةٍ قد لا نكون مستعدّين لرؤيتها.

التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, امم للدراسات الانسانية والاجتماعية