أوّل الكلامِ: أوروبَّا: الحضارة المتوحِّشة
الشيخ جلال الدين علي الصغير[1]
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على النبيِّ محمد وعلى آله الطيِّبين الطاهرين.
إنّ الحرب ليست ظاهرة مستحدثةً في التاريخ البشريِّ، بل هي ظاهرةٌ وُجِدت منذ أن نبغت ظاهرة التسلّط في بعدها النفسيِّ ــ والتملّك على الأرض ــ في بعده الاجتماعيِّ ــ إذ تشير الآية القرآنية الكريمة: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (سورة البقرة: 30) إلى وجودها قبل خلق آدم (عليه السلام) الذي ننتسبُ إليه. ومع أنّ التاريخ دوّن في تاريخ الأمم المختلفة لسجلِّ ممتدٌّ من الحروب، غير أنّه لم يجعل الدول المُفتعلة للحروب في ميزان واحد، خاصّة إذا ما نظرنا إليه من خلال حجم النِّسب السكانيّة وما يتوفَّر لديها من امتيازات، ويبرز النموذج الأوربيُّ الغربيّ وما تمخّض عنه بعنوانه النموذج اللافت في التاريخ البشريِّ، خاصّة وأنّ حيويّته في مسألة الحروب وصناعتها لا زالت تصبغ حضارته إلى يومنا هذا.
فالتاريخ الأوربيُّ يتميّز بأنّه الأكثر حروباً وتسبّبه بسفك الدماء، سيّان في ذلك ما كان في تأريخه أو ما يفعله في واقعه المعاصر، وتحتفظ المعدَّلات القياسيّة العالميَّة له بأعلى المعدّلات، دون أنْ يُدانيه أحد من أيّ مجموعة حضاريَّة أخرى، وبالرغم من العوامل المتعدِّدة التي تشترك في العادة في صناعة الحروب، إلّا أنّه يتميّز بأنّ واقعَه الدينيَّ في العصور الوسطى لا يختلف في هذه السجيّة عن واقعه العلمانيّ والملحد في العصور اللاحقة، وصولاً إلى واقعه الذي نحياه في يومنا المعاصر هذا.
صحيح أنَّ الحروب والقتل صفة عامَّةٌ صبغت تاريخ الحضارات؛ فالشرق، حتى نكون منصفين، لم يكن مسالمًا، فما الذي قام به الغرب ولم يقم به الشرق؟
إنّ هذا السؤال يبدو مغالِطا بقوَّة؛ لأنَّ البناء الحضاريَّ لا يقوم إلَّا على ثنائية الدفع والتعاون، البناء والحماية، لذلك يمكن لنا بسهولة أنْ نرى الحضارة التي يناها الشرقيّون عبر التاريخ، لكن أين الحضارة الغربيَّةُ؟
لا ينبغي أنْ يغريَنا ما وصلت اليه أوروبا اليوم– ظاهريّاً – فذلك إنما يُراد منه أنْ يُخفي أكثر الحضارات دمويَّة وعنصريَّة مقيتة، تنطلق من استعلاء الرجل الأبيض. والمتابع لمسيرة الغرب المُعاصر يجد أنّها نسخة مشوّهة من حضارات سبقتها كانت تسعى محمومةً للتخلّص من أي حضارة أخرى، حضارة لا تقبل سواها.
والتاريخ شاهد لا يكذب. ويمكن مشاهدةُ عند وصول الأوروبيِّين لأميركا الشَّمالية حيث أبادوا الشعوب الأصلية إبادة تامّة ودمويَّة، كما يمكن الحديث عن العبوديَّة والعنصريَّة، وما فعلوه بالأفارقة الذين استعبدوهم ونقلوهم إلى أمريكا.
ويمكن القول: إنَّ هذا المعدّل القياسيّ يسري على كلّ أنواع الحروب التي خاضها، كحروب الإبادة الدينيَّة أو العرقيّة أو الثقافيَّة، وحروب الاستعمار، وحروب تجارة العبيد، وحروب الدمار الشامل ونظير ذلك، فلقد اختطّ الغربيّ في الأرض التي تواجد فيها أعلى الأرقام في قائمة هذه الأنماط من الحروب، وتكاد الدقّة لا تُخطئنا إن قلنا: إنَّه لا توجد دولة من الدول الغربيَّة المعاصرة إلّا وتجد تراثها التاريخي معمّد بالدماء الرخيصة التي غدت أساساً من أسس وجود هذه الدول، من دون فرق بين دماء مواطنيها أو دماء نظرائهم في الدول الأخرى، محاربين كانوا أو مدنيِّين.
والمذهل أنّ البون الشاسع بين طريقة تفكير القرون الوسطى التي كانت تزعم أنَّها ناطقة باسم الله، وبين الطريقة التي زعمت أنّها النقيضُ لما سلف حينما خلعت اللهَ عن عرشه بزعم فلاسفة الإلحاد ومفكِّريه أفضت من حيث المحصَّلة إلى ذات النتيجة في عالم الصراع والحروب، والأرقام التي انتهت إليها حروب القرون الوسطى تتقارب من حيث النَّمط مع الأرقام التي أنتجتها حروب الحضارة الغربية المعاصرة إنْ حفظنا الفارقَ من جهة العدد السكانيّ، ومن جهة التطوُّر في تقنيَّات الموت وأسلحته، وفي كلِّ الحالات هي تتفوق بأرقامها على أرقام الحروب التي أنتجتها حضاراتٌ أخرى.
ومع أنّ العالم بعد أنْ ذاق الأمرّين من جرَّاء سلسلة الجروب الدامية التي خطّتها هذه الحضارة في القرنين التاسع عشر والعشرين ابتداءً بحروب نابليون، ومروراً بالحروب النمساويَّة وحروب توحيد إيطاليا وما شاكلها، وصولاً إلى الحربين العالميَّتين الأولى والثانية وما جرّت إليه من حصاد عشرات الملايين من الأرواح في فترة لا تضاهيها أيُّ فترة من التاريخ العالميِّ في تفنُّن الإنسان الأوربيُّ في إشاعة الموت والاستعباد وانتهاك الحرمات، ومع أنّ هذه المرحلة كانت فرصة كي يَرْعويَ قتلة الغرب عمَّا أسرفوا فيه، وبالرغم من العمل بين الأمم لصياغة وإقرار الآليَّات التي من شأنها أنْ تمنع الحروب، ولكن ما رأيناه من بعد الحرب العالمية الثانية أنّ المعاهدات التي أُقرّت عوض أنْ تكون مؤسَّسة لإحلال السلام، تحوّلت كعنصر إثارة لشهيّة الإنسان الأوربيِّ بموارد الشعوب ما أدّى به إلى سفك المزيد من الدماء موزعة بين آسيا وأمريكا اللاتينيَّة فضلاً عن أفريقيا؛ وما لم يخضها الأوربيّ بيده استبدلها بما يُعرف بالاستعمار الجديد، فأسس من الديكتاتوريَّات في بلدان ما بات يُعرف بالعالم الثالث؛ لتقوم بمهمة الأوربيِّ بالنيابة عنه، وكان منها ما كان من توجيه وتحفيز وتغطية معلنة وغير معلنة، ما استمرأت القتل وإشاعة الحروب بأصنافها كافة؛ ولكن المحصّلة العمليَّة سلسلة طويلة من الحروب ابتدأت من حروب الهندو الصينية في أواخر الحرب العالميَّة الثانية، وتواصلت في أيام الحرب الباردة، ثم بدأت تعصف أكثر بعد نهاية الاتحاد السوفياتيّ، وما نراه اليوم من جرائم ماجنة في غزّة. فها هو الغربيّ يطل من الأزمة الأوكرانيَّة، ومن الأزمة التايوانيّة، ومن الأزمة الصهيونيّة لفتح ملفَّات حروب أكثر عصفاً وأشدّ دماراً مما شهدته الأرض في كلِّ تاريخها، بل ربما ستكون الحروب السابقة مجرَّد نزهة قصيرة قياساً إلى ما يتمّ إعداده للحروب القادمة، فلقد تغلبت نزعة التسلّط والغطرسة الأوربيّة على أيّ قيمة لها صلة بإنسانيّة الإنسان، فوظّفت الصناعات والتقنيَّات إلى توفير أدوات القتل وآلياته بيد أيِّ حرب، ويكفي أيُّ مراجعة لما تذكره أبحاث الحروب والسلام من أرقام مرعبة لما تمَّ تزويد الجيوش به لتعلم إلى أين تُقاد البشريَّة المقودة من الغرب.
***.
ما من شك أنّ هذا الميل للبطش بالإنسان وتعريضه للقتل لا يتأتّى من فراغ، وسواء أنظرنا إليه من الجانب الأخلاقيِّ أو تنظير الفلسفة السياسيّة أو التبرير الاقتصاديّ أو السيكولوجي فإنّه يفضي إلى حقيقة واحدة، وهي أنّ العقل الغربيّ مقوّم على أساس عدم الرضوخ إلى أيّ قيد يقف قُبالة معالم الأنا وما تُفرزه من مظاهر التسلُّط والاستكبار، حتى ولو كان ذلك يعني الخوض بدماء كلّ العالم.
ومنذ أن انتخب الإنسان الغربيّ القطيعة مع الثابت القِيْميِّ والمعياريِّ، وأحال القيم والأخلاقيَّات إلى نتاج الواقع معتبراً إيّاها أمراً نسبياً يتكيّف وفقاً لمنافعه أو مصالحه، ومنذ أنْ أُخرجت الفلسفة والأفكار من عالم العقل والمعنى وتحوّلت إلى مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي ومتطلَّباته، وبما أنّ هذا الواقع تصنعه القوى المتحكّمة فيه لا ما يخيّل بأنّ الشعوب هي التي تصنعه،( جلال الدين الصغير، صناعة الشذوذ الجنسيِّ كحرفة لتدمير الأمم، مجلة أمم، العدد الأول: ص 13)، فإنَّنا لن ننتظر أنْ تؤوب الفلسفة والتنظير السياسيُّ من مسار الغطرسة والتسلّط إلى ما يعاكسه، وإنّما على العكس من ذلك تماماً، فالفلسفة السياسيَّة والأخلاقيّة حينما أخرجتِ الإله من مرابعها، وأنزلت الإنسان من منزلة التكريم الإلهيّ إلى منزلة التراتب الحيوانيّ، فأصبح الصراع (Conflict) هو القانونَ الذي يحكم، وهذا الصراع لن يبقى فيه إلّا الأقوى، وأنّ هذا البقاء محكوم بالرضوخ إلى الإنسان الأعلى قوّة (Super man) كما يعبّر نيتشه! فماذا تنتظر من نتائج تنعكس على أرض الواقع من قبل صنّاعه، لا الذين يحيون في جنباته؟
والحقيقة، أنه يجب ألَّا نبالغ في الشعور بالصدمة من جراء سلوك الغرب تجاه مذابح غزة؛ لأنَّ العقل الذي تجرأ على استبعاد "الله" من أنْ يكون مرجعيَّة أخلاقيَّة تتأسَّس عليها الأخلاق، هو أقرب للكفران بالقيم، والأقدر على ممارسة الجريمة بأريحيَّة تامة.
لقد افتقد الغربيُّ أيَّ شعور بالمهابة، لأنهم يتحرك مدفوعًا بوهم القوة، ولا يصح أن يردعه أيُّ شيء عن سعيه لإخضاع الطبيعة.
هذه الفكرة هي من الأفكار الجذريَّة في عقل وفي أعماق الوجدان الغربي. وهي فكرة ليست منفصلة عن فقدان الغربيِّ للأسس الإلهيَّة للأخلاق، وعدم احترامه لفكرة الخالق، وهي الفكرة التي تجعل الإنسان يمضي في حياته متواضعًا أمام مهابة الروح الإنسانيَّة وقداستها، المستمدَّة من الخالق، وليست القداسة التعاقديَة القابلة للاستباحة بأيِّ لحظة.
ومع أنّ الفكر الأوربيّ وبسبب من نتائج الصراع الدمويّة مال إلى مبدأ العقد الاجتماعيِّ، كما قنن له توماس هوبز أو جان جاك روسو وأمثالهم، وقد تمّ تحشيد كميّة هائلة من النصوص الناظمة للوحدة الاجتماعيَّة على هيئة قوانين ودساتير ومعاهدات واتِّفاقيَّات.
ولكن يبقى السؤال ملحّاً عن مدى جدوى تلك المنظومات في الحيلولة دون اندلاع الحروب أو الدفع لها، ولا سيَّما أنّ واقعيَّات الحياة أثبتت أنّ أشدّ الحروب شراسة إنّما جاءت من بعد علوّ صيحات القانون وما شاكله من وسائل الضبط والنظم! ولك في مثال غزّة المعاصر دليلاً واضحاً على هشاشة هذه الصيحات وعدم جدواها.
إنّ الإنسان الغربيّ حينما يتمّ تقنينه على أساس نظرة توماس هوبز التي تقول: إنّ كلَّ إنسان عدوٌّ لكل إنسان،( كتاب الليفاثان: 136)، وحينما يتمّ قولبته على أسس الصراع من أجل البقاء كما يصوّره دارون، وأنّ الصراع هو صبغة الحياة كما تجده لدى ماركس، وحينما يقرر له فرويد أنّ الإنسان نزّاع إلى تلبية حاجته العدوانيَّة على حساب قريبه، وإلى استغلال عمله بلا تعويض، وإلى استعماله جنسيّاً من دون مشيئته، وإلى وضع اليد على أملاكه وإذلاله، وإلى إنزال الآلام به واضطهاده وقتله. الإنسان ذئب للإنسان. (الأعمال شبه الكاملة لفرويد، قلق في الحضارة 8: 147)، وحينما يصوّر له مالتوس معادلته البائسة عن نضوب موارد الحياة البشريَّة ما لم يتمَّ التخلُّص من الآخرين، وحينما تجرده من قدسية الأخلاق وتبدلها بأخلاقيات البراجماتيَّة الذرائعيَّة القائمة على قيم المنفعة، فما لا نفع فيه لا فضيلة له، وتمنحه يأس وجودية جان بول سارتر، وتهب كلّ ذلك في إطار نزعة الأنانيّة الرأسماليَّة التي لا تبالي بالآخرين، وأمثال هذه الأفكار والتنظيرات التي ما كانت لتكون لولا احتياج القوى المتسلّطة لها كي تسوِّغ لها جرائرها وجرائمها، ثم تعمل لتزوّدها بأسلحة الدمار وتِقْنيَّات الفتك للسيطرة والتسلّط والقهر.. أتنتظر غير الحرب والدمار سفيراً لها؟
***
ومهما يكن من أمر، فقد جاء العدد الثاني من مجلة أمم، والذس سيكون تحت عنوان: الغرب في بربريَّته، ليمثل الجزء الاول من إصدار سيأتي في جزأين، الأول ( الذي بين أيدينا)، وحاولنا فيه أنْ نسلط الضوء على الحروب التي خاضها الأوروبيّ؛ فيما سيعرض العدد التالي للحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية؛ وغني عن القول: إنَّ الأبحاث التي يحتويها هذا العدد لن تؤرخ لجميع الحروب التي خاضتها أوروبا في تاريخها، فإنَّ ذلك يحتاج إلى مجلدات، وإنَّما نقدِّم منها بعض النماذج، مع بحثين يرتبطان بالفكر الأوروبيِّ الذي تهيمن عليه فلسفة القوة والتسلط والقتل، لنشير إلى عقلية غربية متاصلة تؤمن بالقوة لا بالعدل، وأنَّ الغلبة والقوة والهيمنة والتسلط وحدها هي التي تحدد مكانة كلِّ دولة، ويتحدَّد الحق من خلالها. فالغرب ليس وليد الأنْسنة أو العلوم، أو الأخلاق أو القيم، بل هو أولاً وأخيراً، وليد الظلم والاضطهاد والتوحُّش والبربريَّة،
[1] المشرف العام لمجلة أمم.
ووقع اختيارنا على هاتين الحقبتين لأنّ فعل القتل حضر بقوّة مرتبطًا بما عرفته المرحلة الحديثة من تحولات سياسية وفلسفية تم من خلالها إعادة بناء مفهومي الدولة والسيادة. وثانيًا، وهذا خاص بالفلسفة الما-بعد حداثية، لأنّ فعل القتل خضع للنقد لِما لحق بالحياة من أفعالٍ تتعدى التصور الحديث للقتل إلى مسائل تتعلق بالتشويه والإعاقة والإماتة. وهو ما جعل الفلاسفة يتصدّون له بالتحليل والنقد، خاصة وأنه أتى مرفقًا بمسألة العنف بعدما استقرّ العالم كله على أن الحياة المعاصرة يسودها السلم والأمن. ولكن تبيّن أن فكرة الأمن الذي تحرص الدولة عليه، من حيث هي صاحبة السلطة، تحجب في نفس الوقت قتلًا مغايرًا لذلك الذي كان موجودًا من قبل؛ فإذا ما كان القتل سابقًا مقابلًا للحياة، أي للدفاع عن الحياة، فإنّ الحياة نفسها في الفهم المعاصر، وكما يبين ذلك ميشيل فوكو، هي من تدفع للموت.
ولبلوغ ما كنا نصبو إليه طرحنا الأسئلة التالية: ما هو القتل وما علاقته بالموت؟ كيف يمكننا إيجاد الوصيّة الأخلاقية في تحريم القتل؟ هل نستطيع أن نطرح حجة فلسفية ضد القتل؟
والعنف، بوصفه هتكاً لحرمات الإنسان والطبيعة وعدوانًا وظلمًا وجهلًا. وهذا الهتك لا يتأتى إلَّا بعد نزع القداسة عن الكائن الإنساني وتحويله إلى مادة استعمالية؛ أي حوسلته. وهنا تبرزُ العلمانيةُ الشاملةُ بوصفها نزعاً للقداسة؛ ما يجعلها متطابقة مع العنف، فالأخير مكون جوهري في طبيعة العلمانية ذاتها، وهو ما يظهر أساسًا في تجلِّيها من خلال الامبريالية والحروب الإيطالية وما بعد الحداثة والاستعمار العولمي الاستهلاكي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية العالمية. وقد سعى المقال إلى تبيان ذلك عبر محطتين كبيرتين هما: العلمانية الاستبدالية والعلمانية المارقة.
بهدف "إنصاف" الشّعوب المغلُوبة وإمَاطة اللّثام وكشف المُلابسات المُرتبطة بالتوسّع الأوروبي (البرتغاليين والأسبان والأنقليز والفرنسيّين) بأمريكا الجنوبيّة وأمريكا الشماليّة خلال القرنين 16م و17م، ونفض الغبار عن أشكال العنف والجرائم المُرتكبة وبشاعة ما اقترفوه، والذي يُعتبر إجرامًا منظّمًا وممنهجًا ضدّ الإنسانيّة، رغم مُحاولات محوِها وإنكارها من عديد الأوساط الاستعماريّة، ودحض الأفكار المتداولة حول أنّ ما حصل إنّما هو حدث طبيعي زمن الحروب ولا يرتقي إلى مستوى الإبادة الجماعيّة، وإنّما دفاع عن النّفس. لقد سعت هذه الدّراسة إلى إثبات دمويّة وعنصريّة الممارسات التي أدّت إلى إبادة الإنسان والمكان، فكانت الإبادة إبادات؛ إبادة الأعراق الأصليّة وتدنيس الأرض وفتك بالسكان وتهميش الإرث الثقافي والحضاري ومحوِه من الذّاكرة المحليّة والإنسانيّة.
وإذا أردنا أن نعرفَ عقيدة الصهاينة الإجرامية وتشكيلها، لا بد أن نتعرفَ إلى بيئتهم السياسية التي قدموا منها في الشتات من أوروبا، وهذا يساعدنا على فهم الدور الغربي والأمريكي الداعم للإرهاب والتطرُّف.
ستقوم هذه الدراسة بإلقاء الضوء على التطرُّف والارهاب في أوروبا خلال العصور الوسطى، باعتماد المنهج التاريخي الموضوعي، من خلال عرض وتحليل مشاهد لأحداث تاريخية حصلت في حقبة أوروبا الوسطى، ورسم صورة لجذور الإرهاب والتطرُّف، ورفض الآخر في تلك الحقبة، وهنا تطرح الإشكالية الآتية كيف رسمت الحروب الدينية، ملامح تاريخ أوروبا الوسطى وتركت بصمتها الإرهابية الدموية في تاريخ البشرية إلى اليوم؟
وليطرح بعده السؤال هل كانت تلك المحطات التاريخية الدموية حقيقية لمشروعات الاستنارة والوطنية والسلم العالمي؟ أم أنها كانت حلقة من حلقات الإرهاب والتطرُّف العالمي الذي نشهده اليوم؟
واعتمدنا في ذلك على المنهج التاريخي الوصفي الأكثر مُلائمة للموضوع، وقد اخترنا أربعة نماذج من جرائم الاستعمار في إفريقيا، واكتفينا بذكر أكثرها وحشية، وهي جرائمُ الإبادة الجماعية في الجزائر خلال القرن 19م و20م، ومجزرتي "دْيَابِي" و"مَاكُونْدِيِي" في ساحل العاج، ثمَّ جرائم الاستعمار البلجيكي في الكونغو، واختتمنا نماذجَ الجرائم في إفريقيا بجرائم الاستعمار الألماني في ناميبيا. بينما اخترنا جرائمَ الاستعمار البريطاني في الهند، وجرائم الاستعمار الفرنسي في الهند الصينية، كنموذجين عن آسيا.
وطبيعةُ هذا البحث تتطلَّبُ جهدًا توثيقيًا أكثر، لإحصاء كُلِّ جرائم الاستعمار في باقي قارات العالم ابتداءً من القرن 16م، وتفكيكًا للخطاب الكولونيالي بالتعمُّق أكثر في بنيته.
أي في فترة ما قبل الاستعمار الأوروبي من خلال عرضٍ لأهمِّ الشعوب التي استطاعت الوصول إلى القارة قبل معرفة الأوروبيين بها. والحضارات التي نشأت وازدهرت قبل تعرُّض القارة للغزو الأوروبي؛ ومن أهمها حضارات الأزتك والأنكا والمايا، وفيه وصفٌ مُختصرٌ لهذه القارات والتقدُّم الذي وصلت إليه. ويتعرَّضُ البحثُ كذلك للغزوات الأوروبية الأولى للقارة وبشكل خاص رحلات كولومبوس الأربع، ورحلة أمريكو فيسبوتشي والرحَّالة الفاريز وما حدث خلالها من اكتشافات. ثمَّ تمَّ التطرُّق إلى التوسُّع الأوروبي داخل القارة والتدمير المنهجي للحضارات القديمة التي كانت قائمةً حتى ذلك الوقت في القارة. ونهب خيرات القارة وقتل سكانها واستبدالهم بالعنصر الإفريقي. كما تطرَّقَ البحثُ إلى أهم النتائج السلبية للاستعمار الأوروبي للقارة وما خلَّفه هذا الاستعمار من نهبٍ للخيرات وتفريغ للسكان وتغيير في طبيعة المجتمعات الأمريكية هناك.
حيث هدف البحث إلى إظهار النموذج الأوروبي الوحشي على حقيقته عاريًا من خلال الممارسات على المدنيين والعسكريين، وتبيان مدى الحقد والكراهية عند الأوروبيين، والتي أدَّت إلى تدمير البُنى التحتية بكُلِّ أنواعها. هذا واعتمد البحث في معالجة القضايا والأفكار التي تمَّ طرحها على المنهج الوصفي التحليلي، فتوصَّلَ إلى نتائج أظهرت صور الوحشية الأوروبية بكل أنواعها وأساليبها في الحربين العالميتين، ولربما كان أبرزها سقوط عدد كبير من الأبرياء؛ بسبب الغازات المُحرمة دوليًا، والإبادات الجماعية، وما رافق ذلك من نهب وسلب ومجاعات زادت في أعداد المشردين في الدول الأوربية، وذيل البحث بتوصيات كان أبرزها: إقامة مؤتمرات وندوات تعريفية بالحربين العالميتين الأولى والثانية، توضح مدى خطورة الوحشية الأوروبية التي مُورست بحق الإنسانية في القرن العشرين، وتظهر كذب الأوروبيين في ادعاء الديموقراطية ونشر الحرية والإنسانية كما صوروها لنا. كل ذلك سيجلوه البحث ويظهره على أكمل وجهٍ من خلال ثلاثة مباحث أولاها: بواعث الحربين العالميتين الأولى والثانية، وثانيها يبحث في وحشية الأوروبيين على المستوى العسكري، وثالثها يبحث في وحشية الأوروبيين على المستوى الاجتماعي.
وتكمنُ أهميةُ البحث في أنَّهُ يتناول موضوعاً مُفرطاً في الإنسانيَّة لكونه يُسلِّطُ الضوء على الواقع المُفرط للقسوة التي عانى منها السجناء في العصور اليونانية والرومانية وفي أوروبا اللاتينية، ويُركِّزُ البحث على أنواع وأدوات التعذيب التي استُخدمت آنذاك، بالإضافة إلى أنواع السجون، ومن ثمَّ معرفة الآثار النفسية المترتبة على حجم القهر البشري، ومشكلة الوجدان والضمير، وكذلك ما عانته معسكرات الاعتقال والتعذيب في التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى، وما جرى فيها في أثناء الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش الإسبانية؛ بالإضافة إلى الاستعمار الحديث والمعاصر في إفريقيا وشمالي إفريقيا، وآسيا؛ حيث تخطَّت أفعالهم الخطوط الحمر في اللاإنسانية، وقد كمُنت صعوبة البحث في شحِّ المصادر والمراجع التي تُوفّر المادة التاريخية حوله بقصدٍ أو بغير قصدْ!!!
والهدف من ذلك توثيق نتائج أبرز الحروب الأوروبيّة التي اندلعت بدوافع عديدة، بما في ذلك توسيع النفوذ والهيمنة على الثروات والأسواق، لا سيما أعداد القتلى العسكريين والمدنيين، والاعتقالات التعسفيّة، والتهجير القسري، والمجاعة، وتجارة الرقيق، ونشر الأمراض كسياسة ممنهجة لإبادة الشعوب، وغيرها من جرائم الحروب التي انطوت في صفحات التاريخ الأوروبي.
ومع انتشار مفهومِ الحرب العادلة كنظريةٍ تُؤكِّدُ مُراعاة الأخلاق في الحرب، كان لا بُدَّ من الإطلالة على هذا المفهوم وأهم مُرتكزاته ومبادئه التي ينطلقُ منها، والمُقارنة بين هذه المبادئ وبين التعاليم والأخلاق الإسلامية وبيان الفروقات والمُشتركات بينهما. خاصَّة من ناحية تبرير مشروعية الحرب مع مُراعاة أصل الكرامة الإنسانية والمُحافظة عليه، ومن ثم بيان أهمِّ الأخلاقيات الإسلامية في الحرب. لذلك بيَّنَ هذا البحث مفهومَ الحرب العادلة ومبادئها، ونظرة الإسلام إلى الحرب وكيفية تبريرها، وأهم الأخلاقيات الإسلامية للحرب، ومقارنة لمبادئ وأخلاقيات الحرب بين الإسلام ونظرية الحرب العادلة.
فالإنسان - لدى اليونانيين - كائن ذاتي فردي، له الأولوية في ذاته، فساروا صوبها وأوصوا بضرورة الانشغال بها. كما أكّدوا أنه لا يُمكن أن يكون هو ذاته، من دون أن يعيش طبيعته العارية كما هي، حتى في موضوع لذاته وشهواته وغرائزه. وقد انعكس فهم الفلسفة اليونانية للطبيعة(عموماً) حتى على وعيها للأخلاق، التي أعطتها بُعدها الحسّي الطبيعي، بعيداً عن أيّة إلزامات وقيود فوق بشرية.
ولهذا، لاحظنا كيف أنّ اللذات الحسّية في العصر اليوناني (الأفروديزيات= لذّات البدن دون لذّات الروح)، كانت ممتدة ومتّسعة النطاق فكرًا وعملاً، ليتمّ إعطاء تفسيرات عديدة لها ولمجمل النزعات الحسية الغرائزية، مغطاة بأخلاقيّات ورؤى أخلاقية من سنخها.
ومع مجيء المسيحية، انعكست الآيةُ كليًّا، حيثُ انصبّ التفكير الأخلاقي كله، على دعوة المؤمن للهيمنة على شهواته ورغابته، كدلالة على إيمانه وانتصاره الروحي، مع التركيز على الطهارة باعتبارها سبيلاً للخلاص الكلّي.
لتنتهي الأخلاق في العقل الفلسفي الغربي الحديث، نهاية وضعية حسِّية، جعلت من تناول الإنسان – وكل ما يتعلق به- موضوعاً للمعرفة العلمية الممكنة، بعيدًا عن أيّة علاقة له مع المعيار الأخلاقي الإنساني ذاته، بعيدًا عن أيّة معاني روحية ومفارقة. وهذا ما أثّر على الفكر السياسي الغربي، الذي شهد وما زال يشهد، تغييبًا كاملاً للأخلاق، كمعيار وشرط لممارسة السياسة.
وقد اعتمدنا على المنهج التحليلي والمنهج النقدي. لنصِل إلى النتائج التالية: ثقافة أوروبا هي ثقافة استعمارية تُريد فرض منطقها والسيّطرة، رُغم تضمينها ما شكّل بالأساس النزعة الإنسية. ومنه نخلُص إلى ضرورة استفاقة العقل العربي من أكذوبة: "إنسانية أوروبا الخالِصة"، والاستفادة من النقد الذاتي الذي يُمارسه "موران" مع العَمَل على بناء الذات وتطوير البِنى التحتية تحسُّبًا لأيّ هُجوم أوروبي سواء كان ماديًا أو ثقافيًا رمزيًا.
التعليقات