لقد غدتْ "الحريَّةُ" كلمةً سحريَّةً، تستدعي في المخيالِ العامِّ صورةَ الإنسانِ المُتحرِّرِ من القيودِ، المُستقلِّ في قرارِهِ، السَّيِّدِ في اختيارِهِ؛ لكن، هل هذا الإنسانُ موجودٌ حقًّا؟ أم أنَّهُ كائنٌ مُتوهَّمٌ، صُنِعَ في مختبراتِ الفلسفةِ الغربيَّةِ الحديثةِ، ليُقدَّمَ بوصفِهِ المعيارَ الوحيدَ للكرامةِ والتحرُّرِ؟
لسنا هنا في معرضِ التهوينِ من قيمةِ الحريَّةِ؛ فإنَّنا نُدركُ أنَّها من أنبلِ ما يَصبو إليهِ الإنسانُ، لكنَّها لا تُفهَمُ خارجَ سياقِها القيميِّ والوجوديِّ. فالغربُ الَّذي صدَّرَ مفهومَ الحريَّةِ للعالمِ بوصفِها أحدَ أعمدةِ مشروعِهِ الحداثيِّ، هو ذاتهُ الَّذي حوَّلَ الحريَّةَ إلى أداةِ هيمنةٍ؛ هيمنةٍ على الشُّعوبِ، وهيمنةٍ على الوعيِ، وهيمنةٍ على الذَّاتِ نفسِها. وما يُسمَّى اليومَ بـ"الإنسانِ الحرِّ" في المجتمعاتِ الليبراليَّةِ ليسَ سوى كائنٍ مُراقَبٍ، مُبرمَجٍ، تُشكِّلُهُ الخوارزميَّاتُ وتُعيدُ توجيهَهُ وسائلُ الإعلامِ والإعلانِ، ويُقنَّنُ وجودُهُ ضمنَ نماذجَ سلوكيَّةٍ مُعدَّةٍ سلفًا.
أمَّا في الرؤيةِ القرآنيَّةِ، فإنَّ الحريَّةَ لا تبدأُ من الفردِ، وإنَّما تبدأُ من الانعتاقِ من عبوديَّةِ ما سوى اللهِ. فهي –أي الحريَّةُ– مقامٌ روحيٌّ وأخلاقيٌّ لا يُنالُ إلَّا بالتزكيةِ والوعيِ، قبلَ أن تكونَ حقًّا قانونيًّا يُمنَحُ، أو امتيازًا اجتماعيًّا يُكتسَبُ؛ فهي تحرُّرٌ من الدَّاخلِ قبلَ أن تكونَ فكًّا للقيودِ الخارجيَّةِ.
في هذه الافتتاحيَّةِ، نفتحُ هذا النِّقاشَ عبرَ ثلاثةِ محاورَ: نبدأُ بتفكيكِ مفهومِ الحريَّةِ في الفلسفةِ الغربيَّةِ، ثمَّ ننتقلُ إلى تتبُّعِ آليَّاتِ التَّحكُّمِ الخفيِّ الَّتي تُمارَسُ باسمِها في عالمِ اليومِ، ونختِمُ بالتَّأصيلِ الإسلاميِّ لفكرةِ الحريَّةِ باعتبارِها تحرُّرًا أخلاقيًّا من العبوديَّاتِ كلِّها، ما عدا عبوديَّةَ اللهِ وحدَهُ.
messages.addmessages.comment