مجلة أمم العدد الثامن: وهمُ الحرّية

مشاركة هذا الموضوع :

ملخصات البحوث

في زمنٍ تتكاثرُ فيهِ الشِّعاراتُ، يكادُ المرءُ لا يُفرِّقُ بينَ الحريَّةِ كقيمةٍ أصيلةٍ تنبعُ من جوهرِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، وبينَ الحريَّةِ كسلعةٍ مُعلَّبةٍ تُعرَضُ في واجهاتِ الأيديولوجيَّاتِ المهيمنةِ.


أوّل الكلام: الحريّةُ المُصمَّمةُ: من شِعارِ التمْكين إلى أداةِ الهيمنةِ

رئيس التحرير

د. محمد محمود مرتضى

  في زمنٍ تتكاثرُ فيهِ الشِّعاراتُ، يكادُ المرءُ لا يُفرِّقُ بينَ الحريَّةِ بوصفها قيمة أصيلة تنبعُ من جوهرِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، وبينَ الحريَّةِ بوصفها سلعة مُعلَّبة تُعرَضُ في واجهاتِ الأيديولوجيَّاتِ المُهيمنةِ. لقد غدتْ "الحريَّةُ "كلمةً سحريَّةً، تستدعي في المخيالِ العامِّ صورةَ الإنسانِ المُتحرِّرِ من القيودِ، المُستقلِّ في قرارِهِ، السَّيِّدِ في اختيارِهِ. لكن، هل هذا الإنسانُ موجودٌ حقًّا؟ أم أنَّهُ كائنٌ مُتوهَّمٌ، صُنِعَ في مختبراتِ الفلسفةِ الغربيَّةِ الحديثةِ، ليُقدَّمَ بوصفِهِ المعيارَ الوحيدَ للكرامةِ والتحرُّرِ؟

 لسنا هنا في معرضِ التهوينِ من قيمةِ الحريَّةِ؛ فإنَّنا نُدركُ أنَّها من أنبلِ ما يَصبو إليهِ الإنسانُ، لكنَّها لا تُفهَمُ خارجَ سياقِها القِيميِّ والوجوديِّ. فالغربُ الَّذي صدَّرَ مفهومَ الحريَّةِ للعالمِ بوصفِها أحدَ أعمدةِ مشروعِهِ الحداثيِّ، هو ذاتهُ الَّذي حوَّلَ الحريَّةَ إلى أداةِ هيمنةٍ على الشُّعوبِ، والوعيِ، وهيمنةٍ على الذَّاتِ نفسِها. وما يُسمَّى اليومَ بـ "الإنسانِ الحرِّ" في المجتمعاتِ الليبراليَّةِ ليسَ إلًا كائنًا مُراقَبًا، ومُعدّ مُسبقًا، تُشكِّلُهُ الخوارزميَّاتُ، وتُعيدُ توجيهَهُ وسائلُ الإعلامِ والإعلانِ، ويُقنَّنُ وجودُهُ ضمنَ نماذجَ سلوكيَّةٍ مُعدَّةٍ سلفًا.

 أمَّا في الرؤيةِ القرآنيَّةِ، فإنَّ الحريَّةَ لا تبدأُ من الفردِ، وإنَّما تبدأُ من الانعتاقِ من عبوديَّةِ ما سوى اللهِ. فهي –أي الحريَّةُ– مقامٌ روحيٌّ وخُلُقيٌّ لا يُنالُ إلَّا بالتزكيةِ والوعيِ، قبلَ أن تكونَ حقًّا قانونيًّا يُمنَحُ، أو امتيازًا اجتماعيًّا يُكتسَبُ؛ فهي تحرُّرٌ من الدَّاخلِ قبلَ أن تكونَ فكًّا للقيودِ الخارجيَّةِ.

في هذه الافتتاحيَّةِ، نفتحُ هذا النِّقاشَ عبرَ ثلاثةِ محاورَ: نبدأُ بتفكيكِ مفهومِ الحريَّةِ في الفلسفةِ الغربيَّةِ، ثمَّ ننتقلُ إلى تتبُّعِ آليَّاتِ التَّحكُّمِ الخفيِّ الَّتي تُمارَسُ باسمِها في عالمِ اليومِ، ونختِمُ بالتَّأصيلِ الإسلاميِّ لفكرةِ الحريَّةِ باعتبارِها تحرُّرًا أخلاقيًّا من العبوديَّاتِ كلِّها، ما عدا عبوديَّةَ اللهِ وحدَهُ.

أوَّلًا: حفريَّاتُ المفهومِ

 تشكَّلتِ الحريَّةُ في الغربِ تاريخيًّا ضمنَ مساراتٍ متشابكةٍ من الصِّراعِ مع الدِّينِ والمَلَكيَّةِ والسُّلطةِ الكنسيَّةِ؛ فقد ارتبطت نشأتُها الحديثةُ بمطلبِ تحريرِ الفردِ من الإكراهِ الخارجيِّ، لاسيَّما من سُلطةِ الكنيسةِ، ما أدَّى إلى تصوُّرِها بوصفِها انعتاقًا من كلِّ قيدٍ، بما في ذلك القيودُ الخُلُقيَّةُ أو الغائيَّةُ.

هكذا تحوَّلتِ الحريَّةُ في الفلسفةِ الليبراليَّةِ إلى مبدأٍ فردانيٍّ محضٍ، يُعلي من شأنِ الإرادةِ الذاتيَّةِ باعتبارِها أصلًا في كلِّ تشريعٍ ومعيارًا للحقيقةِ. والنَّتيجةُ: أنَّ الحريَّةَ أصبحت تُساوى بالاختيارِ، أيًّا يكن موضوعُهُ أو غايتُهُ.

هذه النَّقلةُ الفلسفيَّةُ جذَّرَتْها مدارسُ الحداثةِ الغربيَّةِ، من (جون لوك-John Locke) إلى (جان جاك روسو-Jean-Jacques Rousseau) ثمَّ (إيمانويل كانط-Immanuel Kant)؛ حيث جرى تقديسُ "الفردِ العاقلِ" وجعلُهُ مرجعًا للحقيقةِ والحقِّ، في قطيعةٍ مع كلِّ مرجعيَّةٍ خارجيَّةٍ، سواءٌ أكانت دينيَّةً أم مجتمعيَّةً.

لكنَّ هذه الذَّاتِ التي جرى تبجيلُها بوصفِها حرَّةً، ما كانت في الحقيقةِ إلا كائنًا مُفرَّغًا من الغايةِ، ومُنفصلًا عن الجماعةِ، ومطوَّقًا بهاجسِ السِّيادةِ الفرديَّةِ. وهنا يكمنُ الوهمُ الأوَّلُ: فالحريَّةُ التزامٌ بمعنى، والمعنى غائبٌ في الرؤيةِ الليبراليَّةِ التي جرَّدتِ الإنسانَ من بُعدِهِ الغائيِّ، وتركَتْهُ يتخبَّطُ في فردانيَّةٍ مفرطةٍ.

هذا الاختزالُ للحريَّةِ بوصفِها "حريَّةً من" (freedom from) دونَ أن تكونَ "حريَّةً لأجل" (freedom  for)، أفرزَ مآزقَ حضاريَّةً عميقةً؛ فالفردُ الذي تحرَّرَ من الدِّينِ والأسرةِ والتَّقاليدِ، وجدَ نفسَهُ أسيرًا لنزواتِ السُّوقِ، وإملاءاتِ الثقافةِ الاستهلاكيَّةِ، وعنفِ التَّنافسيَّةِ الاقتصاديَّةِ. وهكذا انقلبتِ الحريَّةُ إلى قيدٍ غيرِ مرئيٍّ، وتحوَّل "الاختيارُ" إلى آليَّةِ تضليلٍ تُمارَسُ باسمِها كلُّ أشكالِ الإكراهِ النَّفسيِّ والتَّسليعِ الوجوديِّ.

لقد باتَ الإنسانُ الغربيُّ "حرًّا" في اختيارِ نمطِ حياتِهِ، لكنَّهُ غيرُ قادرٍ على الخروجِ من القالبِ الذي صاغَهُ له النِّظامُ الرأسماليُّ؛ يُخيَّلُ إليهِ أنَّهُ يختارُ، بينما هو يتحرَّكُ داخلَ دائرةٍ مُغلقةٍ من الإغراءاتِ المصمَّمةِ، والحريَّاتِ الموجَّهةِ، والمساراتِ المُسبقةِ. وهذا ما يجعلُ من مفهومِ الحريَّةِ –في صورتِهِ الغربيَّةِ– شعارًا مُضلِّلًا، لا يكشفُ عن الواقعِ بقدرِ ما يحجبُهُ.

إنَّ نقدَنا هنا ينطلقُ من مساءلةِ البنيةِ الفلسفيَّةِ التي أُقيمَت عليها في المشروعِ الغربيِّ، وليسَ رفضًا مُطلَقًا لمبدأِ الحريَّةِ؛ حيث جعلَ الغربُ من الحريَّةِ أداةَ تفكيكٍ بدلًا من أن تكونَ وسيلةَ تحرُّرٍ، وأفضت إلى نوعٍ من التَّحرُّرِ العدميِّ الذي يهدمُ كلَّ شيءٍ دونَ أن يؤسِّسَ لبديلٍ قيميٍّ أو خُلُقيٍّ.

ثانيًا: الحُريَّة المراقَبة

 إذا كانتِ اللّيبراليَّةُ قد صاغتِ الحُرِّيَّةَ نظريًّا على قاعدةِ الفَردانيَّةِ وسيادةِ الإرادةِ، فإنَّ الممارسةَ الواقعيَّةَ كشفتْ عن مُفارقةٍ صادمةٍ؛ فالإنسانُ الّذي ظنَّ نفسَهُ حُرًّا، باتَ اليومَ أكثرَ خضوعًا من أيِّ وقتٍ مضى، لا لسوطِ السّلطةِ، وإنّما لِرقابةٍ ناعمةٍ تُمارَسُ عليهِ باسمِ حُرِّيَّتِه نفسِها.

لقد دخلنا عصرًا أضحتِ الرّقابةُ فيهِ تُمارَسُ من كلِّ مكانٍ؛ حيث تُعيدُ الآلاتُ والتقنيّاتُ صياغةَ الذّاتِ والوعيِ والمعنى، وتُخضعُ الأفرادَ لأنماطٍ سلوكيّةٍ غيرِ مرئيّةٍ تحتَ لافتةِ الحُرِّيَّةِ الشخصيَّةِ.

إنَّنا اليومَ بإزاءِ نمطٍ جديدٍ من الاستعبادِ: استعبادٍ رقميٍّ، وعاطفيٍّ، ونفسيٍّ، تُنتِجُهُ ثلاثُ قُوى متداخلةٌ:

١- الخوارزميّاتُ: حيثُ صارت تطبيقاتُ الهواتفِ ووسائلُ التّواصلِ تُصمِّمُ سلوكَ المستخدمِ، وتضبطُ انتباهَهُ، وتوجِّهُ رغباتِه. فالحرِّيَّةُ هنا تعني التّفاعلَ ضمنَ نطاقٍ ضيّقٍ من الخياراتِ المصمَّمةِ بعنايةٍ لخدمةِ رأسِ المالِ. والإنسانُ لا يُدركُ أنّهُ داخلَ قَفَصٍ؛ لأنَّ القَفَصَ شفّافٌ، وجذّابٌ، ومليءٌ بالمتعةِ اللحظيَّةِ.

٢- الدّعايةُ والإعلانُ: أصبحتِ الحُرِّيَّةُ اليومَ أداةً أيديولوجيَّةً ضخمةً تُدارُ من قِبَلِ شبكاتِ الإعلامِ والتّسويقِ؛ حيثُ تُغذَّى العقولُ بمفاهيمَ جاهزةٍ عن الحُرِّيَّةِ، تُختَزَلُ غالبًا في "حُرِّيَّةِ اللّباسِ، حُرِّيَّةِ المُتعةِ، حُرِّيَّةِ الجسدِ"، بينما يتمُّ تغييبُ القضايا الكبرى كالعدالةِ، والكرامةِ، والسّيادةِ، والمقاومةِ.

٣- الرّقابةُ الذّاتيّةُ المُبرمَجةُ: وهي أخطرُ أشكالِ الاستعبادِ؛ حينَ يُعيدُ الفردُ إنتاجَ قيدِهِ بيدِهِ، ويمارسُ الرّقابةَ على ذاتِهِ وفقَ ما جرى تلقينُهُ مسبقًا عن طريقِ الثّقافةِ العامَّةِ. إنَّهُ الفردُ الّذي يتوهَّمُ حُرِّيَّتَهُ، بينما هو يعيشُ داخلَ نظامٍ من الانضباطِ الذّاتيِّ المُصمَّمِ بعنايةٍ ليجعلهُ مُطيعًا دونَ أن يشعرَ.

من هنا، فإنَّ ما يُقدَّمُ في الغربِ بوصفِه فضاءً حُرًّا للفردِ، هو في جوهرِهِ فضاءٌ مُراقَبٌ، ومُوجَّهٌ، وخاضعٌ لمنطقِ السّوقِ والسّلطةِ التّقنيَّةِ. فالحرِّيَّةُ تُمارَسُ ضمنَ بيئةٍ تُصوغُ الخياراتِ مُسبقًا. والمواطنُ "الحُرّ" في المجتمعِ الليبراليِّ ليسَ أكثرَ من مُستهلِكٍ تُغذَّى رغباتُهُ بوسائلَ خفيَّةٍ، وتُحدَّدُ قناعاتُهُ دونَ وعيٍ منهُ، ويجري دفعُهُ لاتِّخاذِ قراراتٍ يظنُّها مُستقلَّةً، وهيَ في الحقيقةِ مُصمَّمةٌ ضمنَ بنى هيمنةٍ ناعمةٍ.

إنَّ مأساةَ الإنسانِ الحديثِ تكمنُ في غيابِ الوعيِ بأنَّهُ غيرُ حُرٍّ، وفي تسليمِ العقلِ، والضّميرِ، والذّوقِ لمراكزِ تصنيعِ الرّأيِ والموقفِ. وهنا، تنقلبُ الحُرِّيَّةُ إلى وَهْمٍ مُضاعَفٍ: وَهمِ الحُرِّيَّةِ في الفكرِ، ووَهمِ الحُرِّيَّةِ في السّلوكِ. وبينَ هذينِ الوهمَينِ، يُعادُ إنتاجُ الاستعبادِ بأكثرِ صورِهِ تقدُّمًا وخِداعًا.

وهذا ما يجعلُ من "الحُرِّيَّةِ" في زمنِ التّكنولوجيا الليبراليَّةِ مفهومًا خادعًا، يخدمُ مصالحَ كبرى تتخفَّى خلفَ شعاراتِ المساواةِ والانفتاحِ، بينما هيَ في جوهرِها مشاريعُ تطويعٍ، وتحويلِ الإنسانِ إلى رقمٍ، وسلوكٍ، ومنتَجٍ قابلٍ للتّسويقِ والاستبدالِ.

في هذا السّياقِ، تُصبحُ الحاجةُ ماسَّةً إلى رؤيةٍ بديلةٍ للحُرِّيَّةِ، لا تنخدعُ ببريقِ الاختيارِ، وإنَّما تُفتِّشُ عن جوهرِ التَّحرُّرِ الحقيقيِّ؛ تَحرُّرِ الإنسانِ من العبوديّاتِ الخفيَّةِ، ومن القوالبِ الجاهزةِ، ومن الانقيادِ الغريزيِّ؛ وهيَ رؤيةٌ لن تتأتَّى إلّا من مرجعيَّةٍ تتجاوزُ السّوقَ، والتّقنيةَ، والإعلانَ. 

ثالثًا: عبودية الله وطريق التحررّ

 في مقابلِ التَّصوُّرِ الغربيِّ الّذي جعلَ الحُرِّيَّةَ انفلاتًا من كلِّ قيدٍ، تطرحُ الرؤيةُ الإسلاميَّةُ مفهومًا نوعيًّا مُغايرًا للحُرِّيَّةِ، يقومُ على التَّحرُّرِ من كلِّ عبوديَّةٍ ما عدا اللهِ. فالإنسانُ في القرآنِ ليسَ كائنًا حُرًّا على نحوٍ مُطلقٍ، كما أنّهُ ليسَ مُقيَّدًا قهرًا بالطَّبيعةِ أو القَدَرِ، وإنَّما هو كائنٌ مُكلَّفٌ، يعيشُ بينَ الإمكانِ والاختيارِ، وبينَ القَيدِ والمسؤوليَّةِ، وتتحقَّقُ حُرِّيَّتُهُ عندما يتحرَّرُ من طغيانِ الهوى، وسطوةِ الجماعةِ، وإملاءاتِ السُّلطانِ، ليخضعَ فقط لمرجعيَّةٍ ربَّانيَّةٍ واحدةٍ هيَ اللهُ تعالى.

إنَّ جوهرَ الحُرِّيَّةِ في التَّصوُّرِ القرآنيِّ هو في تحريرِ الإرادةِ من أهوائِها، وتوجيهِها نحوَ الحقِّ. فالقرآنُ لا يُمجِّدُ الحُرِّيَّةَ بوصفِها مُطلقًة، وإنَّما يربطُها دومًا بالهدايةِ، والعقلِ، والتَّقوى، ويجعلُ من عبادةِ اللهِ ذروةَ التَّحرُّرِ. وفي هذا السِّياقِ، يمكنُ فَهمُ قولِ أميرِ المؤمنينَ (ع): "لا تَكُنْ عبدَ غيرِكَ وقد جعلَكَ اللهُ حُرًّا"[1]. وهذهِ دعوةٌ لتحريرِ الذَّاتِ من التَّبعيَّةِ العَمياء، والدُّخولِ في أفقِ العُبوديَّةِ الواعيةِ الّتي تُخرجُ الإنسانَ من ذُلِّ الخُضوعِ للنَّاسِ إلى عزِّ الطَّاعةِ للهِ.

وهكذا، لا تقومُ الحُرِّيَّةُ في الإسلامِ على مبدأِ "افعلْ ما شِئتَ"، بل على قاعدةِ "كُنْ حُرًّا في طاعةِ الحقِّ"، وهذا جوهرُ الفرقِ بينَ الحُرِّيَّةِ الخُلُقيَّةِ والحُرِّيَّةِ العَدَميَّةِ. فالحرِّيَّةُ الّتي لا تقودُ إلى الخيرِ، ولا تنتهي إلى معنى، هي مجرَّدُ انحرافٍ في الإرادةِ، أو عبَثٍ باسمِ الإرادةِ.

وهذا يعني أنَّ الحُرِّيَّةَ الحقيقيَّةَ تبدأُ من الدَّاخلِ؛ من أن تكونَ سيِّدَ نفسِكَ لا عبدَ شهوتِكَ، وأن تتحرَّرَ من الحاجةِ إلى الاعترافِ الخارجيِّ، أو الانتماءِ إلى قطيعٍ يُزوِّدُكَ بالشُّعورِ بالأمانِ.

أمَّا على المستوى الاجتماعيِّ، فإنَّ الإسلامَ لا يفصلُ الحُرِّيَّةَ الفرديَّةَ عن المسؤوليَّةِ الجماعيَّةِ، وإنَّما يرى أنَّ الحُرِّيَّاتِ يجبُ أن تُمارَسَ ضمنَ أفقِ العدالةِ، وحفظِ كرامةِ الإنسانِ، وصَونِ المصلحةِ العامَّةِ. فحرِّيَّةُ القولِ لا تعني تدميرَ الثَّوابتِ، وحرِّيَّةُ الجسدِ لا تعني تفكيكَ الأسرةِ، وحرِّيَّةُ الاعتقادِ لا تعني التَّرويجَ للإلحادِ والفسادِ. فالحرِّيَّةُ تُقاسُ بمدى ارتباطِها بالحقِّ، والرَّحمةِ، والعَدلِ، وهذهِ هي مقاييسُ الوحيِ.

ولأنَّ الحُرِّيَّةَ علاقةٌ تأسيسيَّةٌ بينَ الإنسانِ والحقِّ، فإنَّ الإسلامَ لا يُطلِقُ للفردِ العِنانَ ليُعيدَ تعريفَ الخيرِ والشَّرِّ وفقَ هواهُ، وإنَّما يُرشِدُهُ إلى المعاييرِ الّتي تجعلُ حُرِّيَّتَهُ طريقًا إلى الارتقاءِ لا إلى السُّقوطِ. فالمجتمعُ الحُرُّ في المنظورِ الإسلاميِّ هو ذلكَ الّذي تُبنى فيهِ الحُرِّيَّاتُ على أساسِ التَّكليفِ، وتُمارَسُ ضمنَ ميثاقٍ أخلاقيٍّ، وتنتهي إلى مقصدٍ إنسانيٍّ لا فردانيٍّ.

من هنا، فإنَّ ما يسمِّيهِ الغربُ "قيودًا دينيَّةً" هو في حقيقتهِ ضوابطُ للتَّحرُّرِ من عبوديَّةِ العالمِ، وما يسمِّيهِ "تحرُّرًا فرديًّا" هو في كثيرٍ من الأحيانِ تسليمٌ ناعمٌ لسلطةِ المالِ، والإعلامِ، واللَّذَّةِ. وبينَ الوهمَينِ، تُضيءُ الرُّؤيةُ الإسلاميَّةُ طريقًا ثالثًا: طريقَ العُبوديَّةِ للهِ الّتي لا تُقيِّدُ الإنسانَ بل تُحرِّرُهُ؛ لأنَّها لا تستنزفُ إرادتهُ بل تُهذِّبُها، ولا تُعزِلُهُ عن الجماعةِ وإنَّما تُؤنسِنُهُ فيها.

وهكذا، فالحُرِّيَّةُ في الإسلامِ سبيلُ نجاةٍ أُخرويَّةٍ، لا تكتملُ إلّا بالاختيارِ الواعي، والطَّاعةِ الصَّادقةِ، والانخلاعِ من كلِّ سُلطانٍ سوى سُلطانِ الحقِّ. ومَن لم يذقْ هذا النَّوعَ من الحُرِّيَّةِ، فقد يبقى طليقًا في الظَّاهرِ، لكنَّهُ عبدٌ من حيثُ لا يدري.

خاتمة

 ففي زمنٍ تُختزلُ فيهِ القِيَمُ إلى منتجاتٍ دعائيَّةٍ، تبدو الحُرِّيَّةُ – كما يُروَّجُ لها اليوم – أقربَ إلى الوهمِ منها إلى الحقيقةِ. فالإنسانُ المعاصرُ، وهو يتباهى بما يملكهُ من "خياراتٍ"، لا ينتبهُ إلى أنَّ هذه الخياراتِ قد صيغت سلفًا، وأنَّ "إرادتَهُ" قد خضعت لإعدادٍ ثقافيٍّ وتكنولوجيٍّ دقيقٍ، جعلهُ يُقدِّمُ على نفسهِ تصوُّراتٍ لا تخصُّهُ، وقراراتٍ لم تنبع من أعماقِه، إنَّما زُرِعَت فيهِ باسمِ التَّحرُّرِ.

لقد فضحتِ التَّجربةُ الغربيَّةُ تناقضاتِها؛ فالليبراليَّةُ الّتي طالما تغنَّت بالحُرِّيَّاتِ، كانت – في عمقِها – مشروعًا لإعادةِ هندسةِ الإنسانِ خارجَ أيِّ أفقٍ غائيٍّ أو خُلُقيٍّ، الأمرُ الّذي أدَّى إلى نوعٍ من الفراغِ الوجوديِّ، والاستسلامِ لمراكزِ قوىً خفيَّةٍ تتحكَّمُ بالوعي والسُّلوكِ تحتَ قناعِ "الحُرِّيَّةِ الشَّخصيَّةِ". وها هو الإنسانُ الغربيُّ اليومَ يعيشُ داخلَ سجنٍ بلا جدرانٍ، يُحاصرُ من الدَّاخلِ لا من الخارجِ، ويُقايضُ حُرِّيَّتَهُ الحقيقيَّةَ بجرعاتٍ مُصمَّمةٍ من التَّسليةِ، والاختيارِ، والمُتعةِ المؤقَّتةِ.

في المقابلِ، يُقدِّمُ الإسلامُ رؤيةً تحرُّريَّةً أصيلةً، لا تبدأُ من الجسدِ وإنَّما من الرُّوحِ، وتُبنى على وعيِ العُبوديَّةِ للهِ. فعلى الحُرِّيَّةِ – في ضوءِ الوحيِ – أن تختارَ القيدَ الّذي يسمو بكَ، لا الّذي يستعبدُكَ من حيثُ لا تدري. وهنا يكمنُ الفارقُ الجوهريُّ: الحُرِّيَّةُ في الإسلامِ مشروعُ تزكيةٍ، لا مشروعُ تَفَلُّتٍ، ومسارٌ نحوَ الكرامةِ، لا سقوطٌ في العَدَميَّةِ.

إنَّ هذا العددَ من مجلَّةِ "أُمَم" يدعو إلى تحريرِ الحُرِّيَّةِ من أوهامِها، ومن الّذينَ استعملوها أداةً لتفكيكِ المجتمعاتِ وترويضِ الشُّعوبِ. فنحنُ بأمسِّ الحاجةِ إلى تفكيكِ الأُسُسِ الفلسفيَّةِ الّتي اختزلت الحُرِّيَّةَ في الفردِ المعزولِ، بعيدًا عن الغايةِ، والمجتمعِ، والقِيَمِ. ولسنا نملكُ في هذا السِّياقِ منظومةً أعمقَ وأصدقَ من الهَدي القرآنيِّ الّذي يربطُ الحُرِّيَّةَ بالحقِّ، ويجعلُ من عُبوديَّةِ اللهِ وحدَهُ الطَّريقَ الوحيدَ للتَّحرُّرِ من سائرِ العبوديَّاتِ.

في هذا العددِ، نفتحُ ملفَّ الحُرِّيَّةِ كما لم يُفتَح من قبلُ: تفكيكًا، ومساءلةً، وتأصيلًا. فأنْ تتحرَّرَ لا يعني أنْ تفعلَ ما تشاءُ، وإنَّما أن تعرفَ مَن تكونُ، وألَّا تسجدَ لغيرِ اللهِ، مهما تَنَكَّرت العبوديَّاتُ وتَزَيَّت بزيِّ الحُرِّيَّةِ.

وعلى أيِّ حالٍ، فقد جاءَ هذا العددُ بخمسةِ أبحاثٍ في المحورِ؛ ناقشَ الباحثونَ فيها موضوعَ الحُرِّيَّةِ في الغربِ من ناحيةِ الفلسفةِ السِّياسيَّةِ كما جاءَ في بحثِ الدُّكتورةِ (نسيمة سعدي) من المغربِ، فيما ناقشَ الدُّكتورُ (علي فارس) الحُرِّيَّةَ كما يُقدِّمُها الغربُ في الدِّعايةِ والإعلامِ، أمَّا الأستاذةُ (زكية قرنفل) فقد قاربت الحُرِّيَّةَ الغربيَّةَ من منظورِ علمِ النَّفسِ الاجتماعيِّ، وأمَّا البحثانِ الأخيرانِ في المحورِ فقد قاربا موضوعَ الحُرِّيَّةِ من المنظورِ التِّقنيِّ؛ ففي حينِ ترجمتِ الأستاذةُ (لينا السَّقر) بحثًا بعنوانِ: "تأثيرُ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ على الحُرِّيَّةِ والعقلانيَّةِ وسيادةِ القانونِ والدِّيموقراطيَّةِ"، كتبتِ الدُّكتورةُ (أسماء نوير) عن مآلاتِ الحُرِّيَّةِ أمامَ هيمنةِ التِّكنولوجيا والتَّحكُّمِ السَّيبرانيِّ.

وفي بابِ التَّأصيلِ، كتبَ الشَّيخُ (حسين شمس الدين) عن الرؤيةِ الدينيَّةِ والفِقهيَّةِ للحُرِّيَّةِ الفرديَّةِ.

فيما ترجمَ الأستاذُ (إبراهيم الفيضا) من المغربِ، بحثَ (لوريا فنتورا) عن "دورِ الاستشراقِ في سردِ الثَّوراتِ في العالمِ العربيِّ"، وذلكَ لبابِ دراساتٍ وبحوثٍ.

وأخيرًا، قرأَ الأستاذُ (نبيل صالح) كتابَ: "السَّايفربانك: حُرِّيَّةُ الإنترنتِ ومستقبلُهُ"، لــ (جوليان أسانج) وآخرينَ.

إنَّنا إذ نأملُ أن يُعجبَ هذا العددُ القُرَّاءَ الأعزَّاءَ، وأن يغضُّوا الطَّرفَ عن أيِّ تقصيرٍ، فإنَّنا ندعو اللهَ أن يُوفِّقَ هذه الأُمَّةَ لما يُحبُّ ويرضى، وأن يَهدِيَها إلى الصِّراطِ المستقيمِ.

والحمد لله أولًا وآخرًا

[1] الشريف الرضي: نهج البلاغة، ج3، ص51.


تحاولُ هذهِ الورقةُ وضعَ العَيْنِ على التوتّرِ الذي خلّفتهُ أزمنةُ ما بعدَ الحداثةِ؛ بتتبّعِ تحوّلِ الإنسانِ من كائنٍ خاضعٍ لسلطةٍ دينيّةٍ في القرونِ الوسطى إلى ذاتٍ حرّةٍ تطمحُ لتأسيسِ كينونةٍ مستقلّةٍ عبرَ العقلِ.

هذا الاستقلالُ كرّسَ مجموعةً من مظاهرِ العبوديّةِ الفكريّةِ والاجتماعيّةِ التي رافقتْ تطوّرَ المجتمعاتِ؛ والذي يدلُّ على أنّ الحداثةَ، رغمَ طموحاتِها العقلانيّةِ، أفرزتْ أزماتٍ جديدةً.

اخترنا فيها أزمةَ العدالةِ والتحرّرِ، مناقشينَ مشروعَ (روبرت نوزيك-Robert Nozick) عن "دولةِ الحدِّ الأدنى" التي تحفظُ الحقوقَ الفرديّةَ دونَ تجاوزٍ خُلُقيٍّ أو انتهاكٍ للحقوقِ، ومشروعَ (أمارتيا سِن- Sen Amartya) الذي يرى أنّ الحرّيّةَ ضروريّةٌ للتنميةِ وتحقيقِ العدالةِ، معتبرًا مقاربةَ القدراتِ وسيلةً لتمكينِ الأفرادِ.

كما وضّحنا موقفَ (علي عزّت بيغوفيتش-(Alija Izetbegović  باعتباره محاولةً لتجاوز أزمةِ العدالةِ والأخلاقِ بأفقٍ يجعلُ كُلًّا من الدينِ والأخلاقِ متلازمَينِ؛ رافضًا القانونَ القائمَ على المصلحةِ وحدَها.

ويخلُصُ إلى أنّ العدالةَ الحقّةَ لا تُبنى إلّا على أُسُسٍ دينيّةٍ وخُلُقيّةٍ تحفظُ كرامةَ الإنسانِ وتحرّرَهُ من كُلِّ أشكالِ الاستعبادِ.

في هذا المقالِ العلميِّ، جرى طرحُ السؤالِ الإشكاليِّ الأساس: هل الحريّةُ التي يُروِّجُ لها النظامُ الليبراليُّ المادّيُّ الرأسماليُّ ـ القائمةُ على الفردانيّةِ وتحقيقِ الرِّبحِ والاستهلاكِ غير المحدودِ ـ هي حريّةٌ حقيقيّةٌ أمْ حريّةٌ وهميّةٌ؟ وهلْ هناكَ نموذجٌ بديلٌ أكثرُ عدالةً؟

وبناءً على هذا السؤالِ، جرى تعريفُ الحريّةِ المُزيّفةِ الوهميّةِ التي تتبنّاها وتُروِّجُ لها الليبراليّةُ الماديّةُ الرأسماليّةُ المتوحّشةُ، والمبنيّةُ على أُسسِ الفردانيّةِ، وحبِّ الذاتِ، وكذلكَ حبِّ التملُّكِ المادّيِّ والاستهلاكِ غير المحدودِ.

كما جرى توصيفُ أدواتِ السيطرةِ الإعلاميّةِ والذكاءِ الاصطناعيِّ، والهيمنةِ التقنيّةِ التي تمتلكُها وتُسيطرُ عليها الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّةُ بشكلٍ أساس، والتي من خلالها تُروِّجُ وتفرضُ نموذجَها بالترغيبِ تارةً، وبالترهيبِ تارةً أُخرى.

وبعدَ ذلك، جرى تعريفُ الحريّةِ الحقيقيّةِ القائمةِ على التوازنِ المادّيِّ ـ الرُّوحيِّ، وعلى القيمِ الخُلُقيَّة والإنسانيّةِ لهذا النموذجِ، والتي تتبنّاها الأديانُ السماويّةُ ـ وتحديدًا الدينُ الإسلاميُّ ـ حيثُ العاملُ الأساس لكلِّ سلوكٍ فرديٍّ أو جماعيٍّ هو حدودُ اللهِ تعالى.

تُتناولُ هذهِ المقالةُ الحرّيّةَ من منظورِ علمِ النّفسِ الاجتماعيِّ، عبرَ تحليلِ آليّاتِ الإيهامِ النّفسيِّ بالتحرُّرِ وكيفَ تُعيدُ الجماعةُ والسّلطةُ والثّقافةُ والتّكنولوجيا صياغةَ خياراتِ الفردِ.

 تبيّن من خلالِ أمثلةٍ وتجاربَ كلاسيكيّةٍ ومعاصرةٍ أنَّ الحرّيّةَ كما تُمارَسُ في السّياقِ النّيوليبراليِّ المعاصرِ هي في الغالبِ حرّيّةٌ موهومةٌ، تُستخدمُ كأداةٍ لإعادةِ إنتاجِ الامتثالِ والطّاعةِ وتآكلِ الوعيِ النّقديِّ. كما تناقشُ الانعكاساتُ النّفسيّةُ - الاجتماعيّةُ لهذهِ الظّاهرةِ، وكيفَ تُشرعنُ السّلطةُ وتُضعفُ قدرةَ الإنسانِ على المقاومةِ. في المقابلِ، تقترحُ المقالةُ جملةً من الاستراتيجيّاتِ لمقاومةِ هذا الإيهامِ وتعزيزِ حرّيّةٍ أصيلةٍ، تقومُ على التّربيةِ النّقديّةِ، واستعادةِ اللّغةِ، والتحالفِ بينَ الفردِ والجماعةِ، ومساءلةِ التّكنولوجيا، إضافةً إلى دورِ المؤسّساتِ الدينيّةِ والتحالفُ بين الشعوبِ.

يُقلّلُ النموذجُ النّيوليبراليُّ، الذي يُمجّدُ التَّقدُّمَ التّكنولوجيّ، من أهمّيَّةِ الآثارِ الضَّارَّةِ للذَّكاءِ الاصطناعيّ على القيَمِ الأساس للدّيمقراطيَّاتِ الغربيَّةِ.

تستعرضُ هذه الورقةُ الآثارَ الحاليَّةَ والمستقبليَّةَ للذَّكاءِ الاصطناعيّ على قيَمِ الحريَّةِ، والعقلانيَّةِ، وسيادةِ القانونِ، لتضافَ إلى جهودِ الأكاديميّينِ وصنَّاعِ السّياساتِ، والمواطنينَ المعنيّينَ الذينَ سعَوا في السنواتِ الأخيرةِ - وإن لم تنجحْ محاولاتُهُم - إلى زيادةِ الوعيِ بضرورةِ إجراءِ نقاشٍ حقيقيٍّ في مستقبلِنَا التّكنولوجيّ.

لذا، يجمعُ هذا المقالُ بينَ علمِ النَّظريَّةِ والتَّوجيهِ.

تُبَشِّرُ الظاهرةُ التي يُشارُ إليها الآنَ باسمِ البياناتِ الضخمةِ (Big Data) بآمالٍ كبيرةٍ وفرصٍ واعدةٍ؛ باعتبارها مصدرًا محتملًا لإيجادِ حلولٍ لعدّةِ مشكلاتٍ مجتمعيّةٍ، مثلِ الإرهابِ (Terrorism)، ولكنْ قدْ ينتهي الأمرُ أيضًا إلى أنْ تُصبحَ مظهرًا مُؤرقًا، ما يُتيحُ انتهاكَ الخصوصيّةِ وتقليصَ الحُريّاتِ المدنيّةِ وزيادةَ سيطرةِ الدولةِ والشركاتِ.

بناءً على ذلك، تُعَدُّ الخصوصيّةُ من أكثرِ المفاهيمِ عُرضةً للتغيّرِ في عصرِ الذكاءِ الاصطناعي؛ حيثُ لمْ تَعُدْ "المُراقبةُ" مجرّدَ أداةٍ تُستخدمُ في حالاتٍ استثنائيّةٍ، مثلَ الأزماتِ أو حالاتِ الطوارئِ، بلْ أصبحتْ عنصرًا رئيسًا في حياتِنا اليوميّةِ.

لقدِ اتَّسعَ المفهومُ ليشملَ "المُراقبةَ التكنولوجيّةَ" و"التحكُّمَ السيبرانيَّ"، وهي أشكالٌ دقيقةٌ من المُراقبةِ تعتمدُ على إعادةِ تشكيلِ السلوكِ والاختياراتِ من خلالِ الخوارزميّاتِ.

تُحاوِلُ الدراسةُ الإجابةَ عن كثيرٍ من التساؤلاتِ المطروحةِ، مثل: كيفَ تُؤثِّرُ أنظمةُ المُراقبةِ التكنولوجيّةِ والتحكُّمِ السيبرانيِّ على مفهوميْ الخصوصيّةِ والحُريّةِ في عصرِ الذكاءِ الاصطناعي؟

وهلْ يمكنُنا تطويرُ نماذجَ بديلةٍ تُعزِّزُ العدالةَ التكنولوجيّةَ؟

كما تعتمدُ الدراسةُ على المنهجِ التحليليِّ النقديِّ، وتُظهِرُ النتائجُ الأوليّةُ أنَّ الخصوصيّةَ لمْ تَعُدْ حقًّا يُنتَهَكُ، بلْ أصبحتْ بنيةً تُصاغُ من الداخلِ، من خلالِ تقنيّاتٍ تُمارِسُ "سلطةً ناعمةً" تُؤثِّرُ على وعيِ الأفرادِ وسلوكياتِهم.

يُعَدُّ مفهومُ الحُرِّيَّةِ الفرديَّةِ من المفاهيمِ المركزيَّةِ في الفكرِ الإسلاميِّ؛ حيثُ يجمعُ بينَ الأبعادِ الرُّوحيَّةِ والخُلُقيَّةِ والاجتماعيَّةِ. وتُقدِّمُ هذه الدِّراسةُ تحليلًا للحُرِّيَّةِ في السِّياقِ الإسلاميِّ، انطلاقًا من النُّصوصِ الدِّينيَّةِ والتُّراثِ الفلسفيِّ والفِقهيِّ، بهدفِ الكشفِ عن رؤيةِ الإسلامِ للحُرِّيَّةِ بوصفها قيمةً إنسانيَّةً متوازنةً.

 تبدأُ الدِّراسةُ بتأصيلِ مفهومِ الحُرِّيَّةِ لغويًّا وشرعيًّا؛ حيثُ تُعرَّفُ في اللغةِ بأنَّها التَّخلُّصُ من الشَّوائبِ، وفي الاصطلاحِ الشَّرعيِّ تُفهَمُ على أنَّها تحرُّرُ الإنسانِ من العبوديَّاتِ الزَّائفةِ، سواءٌ أكانت مادِّيَّةً (كالاستبدادِ والاستعبادِ) أم معنويَّةً (كالهوى والشَّهواتِ). 

 وتؤكِّدُ النُّصوصُ الدِّينيَّةُ، كالقرآنِ والرِّواياتِ، أنَّ الحُرِّيَّةَ الحقيقيَّةَ تتحقَّقُ بالعُبوديَّةِ للهِ وحدَهُ، ما يجعلُها مسؤوليَّةً خُلُقيَّةً وليستْ مجرَّدَ حقٍّ قابلٍ للإسقاطِ.

كما تناقشُ الدِّراسةُ المباني الفلسفيَّةَ للحُرِّيَّةِ في الفكرِ الإسلاميِّ، مثل الرؤيةِ التَّوحيديَّةِ وعِلمِ النَّفسِ الفلسفيِّ؛ حيثُ يرى الفلاسفةُ المسلمونَ أنَّ الحُرِّيَّةَ تنبعُ من سيطرةِ العقلِ على الشَّهواتِ والغرائزِ. 

وتستعرضُ أيضًا التَّطبيقاتِ الفِقهيَّةَ للحُرِّيَّةِ، مثل حقِّ التَّملُّكِ وحدودِ الطَّاعةِ، مع التَّأكيدِ على ضوابطِها الّتي تحفظُ التَّوازنَ بينَ الفردِ والمجتمعِ.

يتناولُ هذا النص ترجمةً لدراسة بعنوان "دور الاستشراق في سرد الثورات في العالم العربي" للباحثة (لوريا فنتورا- Loria Ventura)؛ حيث تفكّك الكاتبة السرديّة الغربيّة المهيمنة عن ما سُمِّي بـ"الربيع العربي"، مبيّنةً كيف أنّ هذه السرديّة تُعيد إنتاج أنماط استشراقيّة تقليديّة ترى العالم العربي من منظور جامد، متخلّف، واستبدادي، وتُسقِط عليه مفاهيم جاهزة كالديمقراطية والحداثة.

تجادلُ الكاتبةُ أنّ تصوير الثورات على أنّها موجة ديمقراطيّة موحدة يتجاهل الفوارق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة بين الدول، ويختزل الظواهر المعقدة في ثنائية "استبداد/حرية" أو "تقليد/حداثة". كما تُبيّن كيف أنّ الخطاب الغربي يُجنّد رموزًا مثل المرأة أو التكنولوجيا (الهواتف الذكيّة، وسائل التواصل) لدعم هذا التأطير الحداثي.

ترتكز الدراسة على مفهوم الاستشراق كما طوّره (إدوارد سعيد)، وتدعو إلى إعادة النظر في هذه السرديات لصالح قراءات أكثر واقعيّة ووعيًا بسياقات السلطة والمعرفة. وتُظهر أيضًا كيف تُستعمل مفاهيم مثل "الاستبداد الشرقي" و"الحداثة" لتبرير التدخلات السياسيّة والعسكريّة الغربيّة.

برزت ظاهرة استخدام الدين والخطاب الديني، في تحقيق الأهداف السياسيَّة، للجماعات الإنسانيَّة مع مطلع القرن العشرين المنصرم، كأحد وسائل التعصيب الاجتماعي الناجعة، وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذا الأمر سمة إسلاميَّة، وذلك نتيجة تصاعد دور جماعات الإسلام السياسي في المشهد العام، وذلك منذ منصف أربعينيات القرن الماضي، وحتى اللحظة الراهنة.

لم يكن لبنان الاجتماعي بعيدا عن استخدام الخطاب الديني لتحقيق المصالح الاجتماعيَّة، بل يعتبر المختبر الأساس لجميع النظريات السياسيَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة، نظرا لتنوع المكونات التي تشكل منها لبنان، وقد كان الموارنة بوصفهم أحد المكونات الاجتماعيَّة الرئيسيَّة من السابقين إلى طرح الخطاب الديني كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسيَّة، وقد شكل موقع البطريركيَّة المارونيَّة الروحي قطب الرحى في مشروع تأسيس الكيان اللبناني الحالي، حيث تم استخدام التراث الروحي والعقدي والتاريخي في معركة تأسيس الكيان، ومرحلة تحقيق الاستقلال، فتداخلت الخطابات الاجتماعيَّة بالخطابات الدينيَّة، لدرجة أصبح رأس الكنيسة المارونيَّة هو القائد الاجتماعي والسياسي للمجتمع إضافة إلى وظيفته الرعويَّة الأساسيَّة.

يَتمحوْرُ حديثُ هذا الكِتابِ ـ الَّذي نُراجِعُهُ في مَقالتِنا هذهِ ـ عن أهمِّيَّةِ التَّشفيرِ لمُواجهةِ تَحوُّلِ شبكةِ الإنترنتِ من أداةٍ حُرَّةٍ مَفتوحةٍ لتدفُّقِ النُّظُمِ (والبَرمجيَّاتِ والمَعلوماتِ، والتَّداوُلِ المَعلوماتيِّ بمُختلفِ تَصنيفاتِهِ ومَواقِعِهِ)، إلى وسيلةٍ لهيمنةِ الحُكوماتِ وتَحكُّمِ الشَّركاتِ الكبيرةِ، وما يَعنيهِ هذا من إعاقةِ حُريَّةِ النَّشرِ، ووقوعِ اتِّصالاتِ النَّاسِ وتَواصُلِها الرَّقميِّ تحتَ السَّيطرةِ والمُراقبةِ والتَّلاعُبِ؛ وهذا ما قد يُشكِّلُ جِدارًا حقيقيًّا أمامَ حُريَّةِ المُجتمعاتِ وديمقراطيَّاتِها.

يُحذِّرُ الكاتِبُ (جوليان أسانج- Julian Assange) ـ صاحبُ موقعِ (ويكليكس) (WikiLeaks) الذّائعِ الصِّيتِ، ومُذيعُ الخَفايا والأسرارِ الَّتي أثارَتِ الضَّجيجَ، وصاحبُ الأفكارِ الَّتي هزَّتِ العالمَ ـ مع ثلاثةِ ناشطينَ حُقوقيِّينَ (ألمانيٍّ وأميركيٍّ وفرنسيٍّ) في حقلِ الاتِّصالاتِ والمعرفةِ الإلكترونيَّةِ، من هذا التَّحوُّلِ الخَطيرِ؛ حيثُ يَطرَحُ الحَلَّ عبرَ تَجميعِ نِقاشاتٍ دارتْ عن شبكةِ الإنترنتِ وأهمِّيَّةِ حُريَّةِ التَّعبيرِ، وطبيعةِ الحُكومةِ، وغيرها منَ الموضوعاتِ المُثيرةِ للجَدلِ، مُقدِّمًا حُلولًا علميَّةً عمليَّةً، وذلك من خلالِ السَّعي إلى التَّشفيرِ الرَّقميِّ باعتباره أحد أهمّ السُّبُلِ لمُواجهةِ ذلك التَّغوُّلِ الحُكوميِّ، الَّذي باتَ مُجرَّدَ قُرصانٍ أو قاطِعِ طريقٍ إلكترونيٍّ يَستهدِفُ حُريَّةَ تَدَفُّقِ المَعلوماتِ؛ بما يَضمَنُ بِنَاءَ عالَمٍ مِثاليٍّ مُتَحرِّرٍ من قُيودِ الدَّولةِ والارتهانِ لِسَيطرةِ شَركاتِها الكُبرى، عبرَ إنشاءِ مَواقعَ جديدةٍ لا يَستطيعُ المُراقبونَ الوُصولَ إليها، وإشادةِ مِنطقةٍ حُرَّةٍ لتَبادُلِ الأفكارِ والمَعلوماتِ لا تُخضَعُ لأيِّ تأثيرٍ من سُلطةٍ.

التعليقات


messages.copyright © 2023, امم للدراسات الانسانية والاجتماعية