
أوّل الكلام: أقنعةُ العطاءِ: الهيمنةُ بوجهٍ إنسانيٍّ
رئيس التحرير
د. محمد محمود مرتضى
المقدِّمة
شهدتِ العقودُ الأخيرةُ تصاعدًا لافتًا في حضورِ منظَّماتِ المجتمعِ المدنيِّ في الفضاءِ العربيِّ، إلى الحدِّ الذي تحوَّلت فيه هذه المنظَّماتُ إلى لاعبٍ مؤثِّر في السِّياسةِ، والاقتصادِ، والثَّقافةِ، وصياغةِ، الوعيِ العامِّ. ورغمَ ما تُقدِّمه من خدماتٍ ومبادراتٍ قد تبدو في ظاهرِها إنسانيَّةً وتنمويَّةً، فإنَّ التمعُّنَ في نشأتِها وتطوُّرِها وأدواتِ عملِها، يكشفُ عن حقيقةٍ أكثرَ تعقيدًا من الصُّورةِ النمطيَّةِ الرَّائجةِ.
ذلك أنَّ المجتمعَ المدنيَّ ليس اختراعًا بريئًا نشأ في الفراغِ، بل هو ثمرةُ منظومةٍ فكريَّةٍ وتاريخيَّةٍ، تعكسُ مسارَ تكوُّن الدَّولةِ الحديثةِ في الغربِ، ورؤيتِها لدورِ الأفرادِ والجماعاتِ. ومع موجةِ العولمةِ الليبراليَّةِ، جرى تكييفُ هذا المفهومِ، وإعادةُ توظيفِه بوصفه أداةَ نفوذٍ ناعمٍ يُعادُ عبرها ترتيبُ أولويَّاتِ المجتمعاتِ الأخرى، وصياغةُ قيمِها وفقَ مقاساتٍ محدَّدةٍ سلفًا. وقد تجلَّى هذا التَّوظيفُ بوضوحٍ في البلدانِ العربيَّةِ التي دخلتْها منظَّماتُ المجتمعِ المدنيِّ، مدعومةً بتمويلاتٍ ضخمةٍ وخطاباتٍ جاهزةٍ، لتصبحَ -أحيانًا- امتدادًا لمشاريعَ خارجيةٍ تلتقي عند هدفٍ جوهريٍّ، وهو إعادةُ ترتيب العَلاقةِ بين الدَّولةِ والمجتمعِ على نحوٍ يحقِّقُ الهيمنةَ بأكثرِ صيغِها سلاسةً واستدامةً.
من هنا، فإنَّ البحثَ في هذه المنظَّماتِ لا ينطلقُ من عداءٍ مبدئيٍّ لفكرةِ التَّنظيمِ المدنيِّ، وإنَّما من رغبةٍ في استعادةِ الفاعليةِ الأصيلةِ لهذا المجالِ، وتحريرِه من التبعيَّةِ القيميَّةِ والوظيفيَّةِ. فالأسئلةُ الحقيقيَّةُ التي ينبغي طرحُها تتعلَّقُ بمنظومةِ المصالحِ والقيمِ والسُّلطاتِ التي تتحرَّكُ خلفَ الواجهةِ اللامعةِ لمنظَّماتٍ تدَّعي الحيادَ والإنسانيَّةَ.
أوَّلاً: الجذورُ الفكريَّةُ للمجتمعِ المدنيِّ في المنظومةِ الغربيَّةِ
إنَّ الحديثَ عن منظَّماتِ المجتمع المدنيِّ لا يكتمل دون الغوص في البيئة الفلسفية والسياسية التي نشأ فيها هذا المفهوم في الغرب، وتحوُّلاته التي جعلت منه أداةً وظيفيَّة في مشاريع النفوذ والهيمنة الناعمة. ذلك أنَّ المجتمع المدني، في جوهره، ليس كيانًا محايدًا أو منفصلًا عن الرؤى الكونيَّة للقوى الكبرى، بل هو تعبير عن منظومة فكرية أنتجت أدواتها، وهي تصوغ تصوُّرَها للعَلاقة بين الفرد والدَّولة، والسُّوق والثَّقافة.
تعود الجذور الأولى لمفهوم "المجتمع المدني" إلى الفلسفة السياسية الكلاسيكيَّة، لكنَّه تبلور بوضوح في الفكر الأوروبي الحديث. فعند (هيغل-Hegel)، مثَّل المجتمعُ المدني المجالَ الذي ينتظم فيه الأفرادُ لتحقيق مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ضمن قواعدَ وقوانين، أيْ أنَّه مجالٌ يوازن بين الحرِّية الفردية والنظام العام[1].
لاحقًا، طوَّر (ألكسي دو توكفيل-Alexis de Tocqueville) هذا التصوُّر في إطار تحليله للديمقراطية الأمريكية، معتبرًا الجمعيات الطَّوعية حجر الأساس في حماية المجتمع من استبداد السلطة المركزية[2].
غير أنَّ هذا التفسير كان يقوم على خلفيَّةٍ ثقافية لا تفصل تمامًا بين التبشير بقيم الحرِّية وبين تبرير التوسُّع الاستعماري الأوروبي.
أمَّا (أنطونيو غرامشي-Antonio Gramsci) فقد منح المفهوم أبعادًا أكثر تعقيدًا، حين اعتبر المجتمع المدني مجالًا للهيمنة الثقافية، أي المجال الذي تُنتِج فيه النُّخبُ المهيمنة منظومةَ القيم والتصوُّرات التي تُضْفي الشرعيَّة على سيطرتها، وتجعلها مقبولة لدى الجمهور[3].
ومع صعود العولمة في نهايات القرن العشرين، انتقل مفهوم المجتمع المدني إلى مرحلة جديدة. فقد بدأت المؤسَّسات المالية الكبرى والدول الغربية تروِّج لفكرة أنَّ المنظَّمات غير الحكومية هي البديل الأمثل عن الدولة في تقديم الخدمات والتنمية[4].
وبالتوازي، جرى تحميل هذه المنظَّمات أدوارًا سياسية ضمن استراتيجيات "الديمقراطية الموجَّهة"؛ حيث جرى تمويل المشاريع "الأهلية" في الدول الناميَة بهدف إعادة تكوين الوعي والسلوك الاجتماعي وفق معاييرَ غربية[5].
في المراحل الأخيرة من تطوُّر هذا المفهوم، صار المجتمع المدني جزءًا من حزمة سياسات "الحَوْكمة العالمية"؛ بحيث جرى استثمار المنظَّمات غير الحكومية في نشر القيم الليبرالية المتعلِّقة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، و"المساواة الجندريَّة"، والسوق الحرَّة.
ومن خلال الشَّراكات والتمويل والتدريب، صار لهذه المنظَّمات وظيفة مزدوجة: تقديم الخدمات الاجتماعية، وإنتاج النُّخب المحلِّية القادرة على تمثيل الخطاب الغربي داخل بلدانها.
إنَّ تتبُّع الجذور النظرية للمفهوم يُظهِر بوضوح كيف بُني على منظومة قيميَّة تتداخل فيها الحرِّية مع الهيمنة، والتطوُّع مع إخضاع الثقافات الأخرى. وهذه الخلفية ضرورية لفهم كيفيَّة توظيف منظَّمات المجتمع المدني في العالم العربي لتكون وسيلةَ نفوذ سياسي وثقافي غربي.
ثانيًا: المساراتُ التاريخيَّةُ لتغلغلِ منظَّماتِ المجتمعِ المدنيِّ في العالمِ العربيِّ
إنَّ حضورَ منظَّمات المجتمع المدني في السِّياق العربي لم يكن حصيلة تطوُّر طبيعي وبطيء، بقدر ما كان نتاج تحوُّلات سياسية واقتصادية متسارعة. فقد تكثَّف نفوذ هذه المنظَّمات في محطَّات محدَّدة ارتبطت بتبدُّلات كبرى في النظامَين الدولي والإقليمي؛ بحيث أصبحت هذه الكيانات في كثير من الأحيان رافعة لخطابات التحديث الموجَّه والتدخُّل الأجنبي.
عرفت المجتمعات العربية قبل الاستعمار نماذجَ راسخةً من العمل الأهلي، خاصَّة في صورة الأوقاف والمدارس والجمعيات الخيرية التي شكَّلت جزءًا من النسيج الاجتماعي والديني. غير أنَّ القوى الاستعمارية عمدت إلى تقويض هذه المنظومة المستقلَّة تدريجيًّا عبر سياسات تنظيمية وإدارية، مثل حصر الإشراف على الأوقاف بيد السلطة، وفرض أنماط خطابيَّة جديدة ذات صبغة ثقافية وتبشيريَّة[6]. وهكذا، جرى تهميش العمل الأهلي التقليدي لحساب هياكل أكثر ارتباطًا بالرؤية الغربية "الحداثيَّة".
ومع حصول الدول العربية على استقلالها في منتصف القرن العشرين، برزت مشاريع بناء الدولة الوطنية التي أعطت الأولوية للتنمية الشاملة والتحديث السريع. في هذا الإطار، توسَّعت صلاحيات الدولة على حساب المبادرات الأهلية، وجرى فرض قيود على الجمعيات المدنية، سواء عبر القوانين أو عبر إخضاعها المباشر للرقابة السياسية. تزامن ذلك مع ارتفاع الخطاب القومي الذي كان يتوجَّس من أيِّ نشاط "غير رسمي" قد يشكِّل قناةً للتأثير الخارجي.
لكن هذا الحذر لم يلغِ بالكامل وجود المجتمع المدني، بل ظلَّ هامشيًّا في معظمه، يقتصر على أنشطة خيرية أو ثقافية محدودة تخضع للوصاية الحكومية.
ثم شهدت حقبة التسعينيَّات من القرن العشرين منعطفًا حاسمًا، تزامن مع سقوط الاتحاد السوفياتي وصعود خطاب "نهاية التاريخ" و"انتصار" الليبرالية الغربية. في هذا السياق، نشطت برامج "الديمقراطية وحقوق الإنسان" التي موَّلتها الوكالات الأمريكية والأوروبية، وأُطلقت مبادرات ضخمة لتأسيس ودعم منظَّمات المجتمع المدني في المنطقة العربية[7].
ترافق ذلك مع اشتراطات "الإصلاح السياسي" المضمَّنة في اتفاقيَّات الشَّراكة والتجارة، مثل اتفاقيَّات برشلونة بين أوروبا ودول المتوسط. هنا تحوَّلت المنظَّمات المدنية إلى وسيلة ضغط ناعمة، يجري عبرها دعم أصوات موالية لخطاب الليبرالية السياسية والاقتصادية[8].
ثم جاءت موجة "الربيع العربي" (2010–2011) لتفتح مرحلة جديدة غير مسبوقة في تمدُّد المجتمع المدني. ففي خضمِّ الانتفاضات الشعبية، تضاعف عدد المنظمات غير الحكومية، وانهالت عليها التمويلات الخارجية تحت عنوان دعم "التحوُّل الديمقراطي". وقد جرى تدريب كوادر محلِّية على آليات التغيير السياسي، وتعزيز شبكات التواصل بين المنظَّمات الإقليمية والدولية[9].
لكن هذا المسار الذي بدا ظاهريًّا مشروعًا تحرريًّا، سرعان ما أثار تساؤلات عن مدى استقلالية هذه المنظَّمات، ودورها الفعلي في إعادة إنتاج هيمنة غربية ناعمة على القرار الوطني، تحت غطاء شعارات الحرِّية والشفافية وحقوق الإنسان.
لقد شكَّل حضور منظَّمات المجتمع المدني في العالم العربي سلسلة حلقات متَّصلة، بدأت مع الاستعمار الذي أعاد هندسة العمل الأهلي، مرورًا ببناء الدولة المركزية، وصولًا إلى موجات "الإصلاح" التي استخدمت المجتمع المدني أداةً لتطبيع النفوذ الغربي وإعادة تعريف أولويَّات المجتمعات. لذا، فإنَّ تحليل هذه المسارات ضروري لفهم طبيعة الأجندات التي صاحبت هذا الانتشار المكثَّف[10].
ثالثًا: الآليَّاتُ والأدواتُ التي تستخدمُها المنظَّماتُ الغربيَّةُ
إنَّ توصيفَ منظَّمات المجتمع المدني بأنَّها امتداد للنظام القيمي الغربي غير كافٍ، وإنَّما ينبغي أيضًا تفكيك الوسائل العملية التي تمكِّنها من أداء هذا الدور بفعاليَّة. فالهيمنة الناعمة تعتمد على منظومة أدوات دقيقة تمكِّن هذه المنظَّمات من إعادة تكوين الوعي والقرار والسلوك في المجتمعات المستهدفة.
يُعَدُّ التمويل أحدَ أهمِّ مصادر النفوذ الغربي على منظَّمات المجتمع المدني. فغالبيَّة هذه الكيانات تعتمد على هبات أو منح تأتي من وكالات دولية أو سفارات غربية أو صناديق مرتبطة بمؤسَّسات كبرى، مثل USAID)) أو (الاتحاد الأوروبي) أو (مؤسَّسات بيل وميليندا غيتس) (Bill & Melinda Gates Foundation) وغيرها. لا يُمنَح هذا التمويل بلا مقابل، وإنَّما غالبًا ما يكون مشروطًا بتحقيق أهداف معيَّنة:
1. تبنِّي خطاب حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية بصياغة محدَّدة.
هكذا يصبح التمويل أداةَ انضباط وضغط غير مباشر، ويحول دون استقلاليَّة القرار التنظيمي أو الانحياز لقيم المجتمع الأصليَّة[11].
من بين الأدوات الأكثر تأثيرًا برامج التدريب التي تقدِّمها المؤسَّسات الغربية لنشطاء المجتمع المدني. وهذه البرامج تتجاوز تقنيَّات الإدارة أو كتابة المشاريع، إلى "بناء القدرات القيادية" و"تطوير الرؤية الاستراتيجية"، وهي عبارات برَّاقة تُخفي في جوهرها عملية تطبيع معرفي وثقافي.
ينشأ عن ذلك جيل من النُّخب المحلِّية التي:
1. تتبنَّى لغة الغرب في توصيف قضاياها.
وهكذا يتحوَّل النُّخبَويُّون إلى وكلاء ثقافيِّين يمارسون الهيمنة داخل مجتمعاتهم، من موقع "الشرعيَّة الخُلُقية".
هذا الخطاب الإعلامي المصاحب لعمل منظَّمات المجتمع المدني يلعب دورًا حاسمًا في تهيئة الرأي العام لقبول نمط جديد من القيم والاصطفافات. فبرامج التوعية التي تُنَفَّذ بتمويل أجنبي تركِّز غالبًا على:
1. قضايا الحرِّيات الفردية بمعناها الغربي.
وتُدعَم هذه الحملات بإنتاج أفلام وثائقية ومنشورات ومؤتمرات ذات صبغة علمية وحقوقية، ما يمنحها مصداقيَّة مضاعفةً في عيون الجمهور[12].
من الأدوات المهمَّة أيضًا اعتماد تقارير صادرة عن هذه المنظَّمات بوصفها مصادر رئيسة في صياغة مواقف الدول الكبرى والمؤسَّسات الأمميَّة تجاه الدول العربية. فحين تصدر منظَّمة محلِّية – تعتمد تمويلًا خارجيًّا – تقريرًا ينتقد الحكومة أو البيئة الثقافية، يتحوَّل بسرعة إلى وثيقة مرجعية تستند إليها القرارات:
1. فرض عقوبات اقتصادية أو سياسية.
وهكذا يجري تبرير الهيمنة الخشنة بالاستناد إلى "معطيات موضوعية" تبدو محايدة، لكنَّها في جوهرها انعكاس لأجندة محدَّدة.
إنَّ تعدُّد أدوات التأثير – من التمويل إلى التدريب إلى الإعلام إلى القوننة الرمزيَّة – يكشف كيف تحوَّلت منظَّمات المجتمع المدني في العالم العربي إلى منظومة معقَّدة، تجمع بين تقديم الخدمات الاجتماعية وإنتاج ثقافة التبعيَّة. وهذه الأدوات لا تعمل منفصلة عن بعضها، وإنَّما تنسج شبكة تأثير يصعب على المجتمعات تفكيكها دون وعي نقديٍّ صارم.
رابعًا: نقدُ خطابِ الحيادِ والاستقلاليَّةِ وتفكيكُه
وعلى أيِّ حال، فكثيرًا ما تُقدَّم منظَّمات المجتمع المدني بوصفها فضاءً محايدًا ومستقلًّا عن مراكز السلطة والهيمنة. فيُروَّج لها باعتبارها "صوت الناس" و"ضمير المجتمع". غير أنَّ التمحيص في بنيتها ومصادر تمويلها وأدوارها العملية، يكشف عن فجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تفكيك هذه الصورة المثاليَّة، ونقد الافتراضات التي يقوم عليها الخطاب الغربي عن الحياد والاستقلال.
فالتَّمويل الخارجي هو الحلقة الأكثر حساسيَّة في عَلاقة المنظَّمات بالمجتمع؛ إذ يصعب الحديث عن استقلاليَّة حقيقيَّة حين يكون بقاء المنظَّمة مرهونًا بتدفُّق المنح الأجنبية. وهذا التمويل المشروط يفرض:
وكلَّما اشتدَّ الاعتماد على التمويل الخارجي، ضعفت القدرة على التعبير عن الاحتياجات الفعلية للمجتمع المحلِّي[13].
ولا يقتصر التأثير على الجانب المالي، بل يمتد إلى الجانب القيمي. فكثير من هذه المنظَّمات تتبنَّى رؤىً ليبرالية في مقاربة قضايا مثل:
وهذه المقاربة قد تتناقض مع مرجعيات المجتمع المحلِّي، فتتحوَّل المنظَّمة إلى منصَّة لتطبيع منظومة قيم مستوردة، يجرى تمريرها تدريجيًّا تحت عنوان "التنمية" أو "تمكين الفئات المهمَّشة".
إنَّ التبعية القيمية أخطر من التبعية المالية؛ لأنَّها تنتج حالة من الاغتراب المعرفي والثقافي على المدى الطويل[14].
خامسًا: انعكاسُ ذلك على السِّيادةِ الوطنيَّةِ
حين تكتسب هذه المنظَّمات صفة "الشرعية الخُلُقية" داخليًّا وخارجيًّا، تصبح أداة ضغط على القرار الوطني. فالتقارير التي تصدرها تُستخدم لاحقًا ذريعةً للتدخُّل الأجنبي، سواء عبر:
وبهذا يتحوَّل المجتمع المدني – من حيث لا يعلن – إلى قناة تآكلٍ للسيادة الوطنية، يعيد ترتيب موازين القوَّة داخل الدولة والمجتمع.
سادسًا: البدائلُ
في الواقع، إذا أردنا مجتمعًا مدنيًّا فاعلًا ومستقلًّا حقًّا، فلا بدَّ من مشروع بديل يقطع العَلاقة مع التبعيَّة ويستعيد البُعد الوطني الأصيل. في هذا الإطار يمكن اقتراح الآتي:
١. بناءُ منظومةِ تمويلٍ محلِّيةٍ
أ. تنشيط الوقف الأهلي والتبرُّعات الذاتية.
ب. تخصيص جزء من عوائد التنمية المحلِّية لدعم الجمعيات المستقلَّة.[15]
٢. تعزيزُ الرقابةِ المجتمعيَّةِ
أ. فرض شفافيَّة صارمة على مصادر التمويل والإنفاق.
ب. إنشاء هيئات مستقلَّة لرصد تأثير المنظمات في السيادة الثقافية والسياسية.
٣. اسْتلهامُ الخبرةِ التاريخيَّةِ للأوقافِ والمؤسَّساتِ الخيريَّةِ
أ. إعادة تفعيل النماذج الأصيلة للعمل الأهلي.
ب. ربط العمل المدني بقيم المجتمع وخصوصيَّاته الثقافية[16].
٤. تطويرُ خطابٍ حقوقيٍّ وتنمويٍّ نابعٍ من الدَّاخلِ
أ. صياغة مفاهيم الحرِّية والكرامة والعدالة استنادًا إلى المرجعية الحضارية المحلِّية.
ب. كسر احتكار المؤسَّسات الدولية للشرعية المعياريَّة.
إنَّ تفكيك خطاب الحياد والاستقلاليَّة يفضح العلاقة العضويَّة بين كثير من منظَّمات المجتمع المدني في العالم العربي ومشاريع النفوذ الغربي. وبقدر ما تزداد هذه الهيمنة الناعمة خطورة، يصبح تأسيس نموذج وطنيٍّ مستقلٍّ واجبًا حضاريًّا وسياسيًّا، لضمان تنمية أصيلة وسيادة حقيقية.
إنَّ تفكيك ظاهرة منظَّمات المجتمع المدني في العالم العربي لا يكتمل إلا بوعي تاريخي ونقديٍّ، يُدرك الجذور النظرية التي صاغت هذا المفهوم في سياقه الغربي، والمسارات التي نُقل عبرها إلى بيئة مختلفة، والأدوات التي جعلت منه رافعةً للنفوذ الناعم الغربي أكثر ممَّا كان تعبيرًا أصيلًا عن إرادة المجتمعات.
لقد كشفت الأبحاث التي سيتضمَّنها هذا العدد من مجلة "أمم" أنَّ كثيرًا من منظَّمات المجتمع المدنيِّ في منطقتنا، وإنْ رفعت شعارات الحياد والتَّمكين، ارتبطت وظيفيًّا بشبكات التَّمويل الخارجي، وتماهت قيميًّا مع سرديَّات لا تنسجم دائمًا مع الخصوصيَّات التاريخية والثقافية للشعوب. فغدت أداة لتطويع السِّياسات وإعادة تكوين الهُويَّة والوعي، تحت غطاء التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وإذ يتناول هذا العددُ من المجلة أبعادَ هذا التَّوظيف، وأمثلة تجلِّياته، وإشكاليَّاته العملية، فهو لا يكتفي بالنَّقد، بل يفتح كذلك أفق التفكير في بدائل عملية.
إنَّنا بحاجة إلى مساءلة شجاعة تنطلق من سؤال جوهري: كيف يمكن أن يستعيدَ المجتمعُ المدني في بلادنا دورَه الأصيلَ باعتباره رافعةَ تحرُّرٍ وتنميةٍ، دون أن يكون بوَّابةَ هيمنة وتبعيَّة؟
وعلى أيِّ حال، يعدُّ هذا العدد من مجلة "أُمم" وقفةً تحليليَّة معمَّقة عند دور منظَّمات المجتمع المدني، من زواياه التاريخية والسياسية والثقافية والدينية، في عالم باتت فيه هذه المنظَّمات فاعلًا مركزيًّا في تكوين المجتمعات وإعادة هندسة وعيها.
يفتتح (د. علي فضل الله)، الأبحاث؛ حيث يعود إلى الجذور المفاهيميَّة في بحثه "منظَّمات المجتمع المدني: المفهوم والوظيفة"، فيُعيد تفكيكَ مصطلح "مدني" وبيانَ تاريخه ودلالاته، موضحًا أن فعَّالية المجتمع المدني تقاس بقدر انسجامه مع الهُويَّة الثَّقافية والدينية، لا بمجرَّد رفع شعارات الحداثة. أما (د. مريم رضا خليل) فترصد في بحثها "الوَكالة القاتمة"، تحوُّل بعض المنظَّمات غير الحكومية إلى أدوات اختراق ثقافي وسياسي ضمن آليات الحرب الناعمة، مستعرضة دورها في حراك تشرين 2019، واستهدافها المباشر لقوى المقاومة في لبنان. فيما يقدِّم الأستاذ (أحمد الخالصي) من العراق بحثًا يحلِّل فيه نشاط جمعيَّات المجتمع المدني في العراق التي ظهرت بوصفها طفرة كمِّيَّة، فرضها المحتلُّ الأميركي؛ بغيةَ تأمينِ استمرارِ وجودِه وديمومته، الذي لا بدَّ منِ اقْترانِه بوجودٍ ثقافيٍّ جديدٍ، يزاحمُ الهُويَّةَ الموجودةَ في البيئةِ العراقيَّةِ. أما (د. حسن محمد الزين)، فيبحث في دراسته "المنظَّمات غير الحكوميَّة والمجتمع المدني في لبنان" عن المسار البنيوي والتاريخي لهذه المنظَّمات، مسلِّطًا الضوء على انفجار عددها بعد العام 2005، وتحوُّلها إلى مشاريع سلطة مدعومة أميركيًّا لاختراق بُنية النظام اللبناني الطائفي.
وتتَّسع عدسة التحليل لتشمل الحقلَ الثقافي والرقمي؛ حيث تدرس (د. سناء عزوز) في بحثها "منظَّمات المجتمع المدني والهندسة الثقافية الرقمية" كيف تُسهم الشراكات بين المنظَّمات ومنصَّاتٍ ترفيهيَّة كـ (نتفليكس وتيك توك) في إعادة تكوين الوعي العام، خصوصًا لدى الشباب، وفق رؤى تتجاوز الحقوق إلى تذويب الهُويَّة. وتُكمل (د. سهام محمد) هذا المسار عبر بحثها "دور منظَّمات المجتمع المدني في نشر ثقافة الشُّذوذ والتحوُّل الجنسي"؛ حيث ترصد أدوات الضغط القانوني والإعلامي التي تستخدمها المنظَّمات الغربية لفرض مفاهيم التحوُّل الجندري، وتحذِّر من تداعياتها على المجتمعات المحافظة.
وفي باب التأصيل، يكتب الشيخ (حسن أحمد الهادي) بحثاً بعنوان "العمل التطوُّعي في الإسلام"، يسلِّط فيه الضوء على الجذور الفقهيَّة والسلوكية للعمل الخيري التطوُّعي، من الصدقة الجارية إلى الوقف والوصيَّة، مؤكدًا أن التكافل المجتمعي في الإسلام يُبنى على الإرادة الحرَّة والرَّغبة في القُرب من الله، لا على رؤى خارجية أو مصالح خفيَّة.
أما باب دراسات وبحوث، فيكتب فيه الباحث الجزائري (إيدروج لخضر) بحثاً بعنوان: " صناعة المصطلح وسلطة الخطاب الإيديولوجية"، فيُبيِّن أنَّ عملية توليد المصطلحات من بين أهم الاستراتيجيات الثقافية للتطبيع الاجتماعي للأجيال، بسبب التَّداول الفكري والمعرفي للمصطلحات التي تنشرها الأوعِيَة الإعلامية في البيئة العامَّة التي تعتبر أكبر وعاء للانتشار.
ويُختتم العدد بقراءة مترجمة لكتاب "وَكالة المخابرات المركزية في هوليود"، تكشف (لينا السقر) فيها كيف تحالفت الاستخبارات الأميركية مع صناعة السينما لتوجيه الرأي العام، وتلميع أنشطتها السرِّية عبر وسائل التَّرفيه الجماهيري.
وأخيراً، نسأل الله العزيز القدير، أنْ ينال هذا العدد من المجلَّة استحسانَ القرَّاء، وأن يكون رافدًا للمكتبة العربية، ولكلِّ مهتمٍّ بمتابعة أدوات الهيمنة الاستعمارية وفهم طبيعة عملها ووسائلها.
والحمدُ لله أوَّلاً وآخِرًا
لائحة المراجع
- جورج فيلهلم فريدريش هيغل، عناصر فلسفة الحق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2012.
- عبد الله عبد الدائم، المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2003.
- نادرة شلهوب كيفوركيان، الهيمنة الناعمة: المنظمات غير الحكومية وإعادة إنتاج الاستعمار، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 110، 2017.
- Alexis de Tocqueville, Democracy in America, Penguin Classics, London, 2003, Vol. II.
- Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, International Publishers, New York, 1971.
- David Harvey, A Brief History of Neoliberalism, Oxford University Press, Oxford, 2005.
- Jude Howell & Jenny Pearce, Civil Society and Development: A Critical Exploration, Lynne Rienner Publishers, Boulder, 2001.
[1] راجع: جورج فيلهلم فريدريش هيغل: عناصر فلسفة الحق، ص178.
[2] راجع: Alexis de Tocqueville, Democracy in America, Penguin Classics, p. 115.
[3] راجع: Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, International Publishers, p. 12–13.
[4] راجع: David Harvey, A Brief History of Neoliberalism, p. 3–5.
[5] راجع: Jude Howell & Jenny Pearce, Civil Society and Development: A Critical Exploration, p. 4–7
[6] راجع: عبد الله عبد الدائم: المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، ص73–76.
[7] راجع: Jude Howell & Jenny Pearce, Civil Society and Development: A Critical Exploration, p. 8–10.)
[8] راجع: عبد الله عبد الدائم، المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، ص125–128.
[9] راجع: نادرة شلهوب كيفوركيان: الهيمنة الناعمة -المنظمات غير الحكومية وإعادة إنتاج الاستعمار-، ص56–58.
[10] راجع: عبد الله عبد الدائم: المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، ص145.
[11] راجع: عبد الله عبد الدائم: المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، ص180–182.
[12] راجع: نادرة شلهوب كيفوركيان: الهيمنة الناعمة -المنظمات غير الحكومية وإعادة إنتاج الاستعمار-، ص62–64.
[13] راجع: عبد الله عبد الدائم: المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، ص200–202.
[14] راجع: نادرة شلهوب كيفوركيان: الهيمنة الناعمة -المنظمات غير الحكومية وإعادة إنتاج الاستعمار-، ص67–69.
[15] راجع: عبد الله عبد الدائم: المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، ص210.
[16] راجع: عبد الله عبد الدائم: المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي، ص212.
أمَّا في الواقعِ، فقدْ أظهرتِ التَّجربةُ أنَّ أداءَ هذه المنظَّماتِ كان محلَّ تساؤلٍ، حول طبيعةِ طروحاتِها، ومصادرِ تمويلِها، ونوعيَّةِ تشابكِها مع مصالحِ الدول الغربيَّةِ الكبرى. بعد مرورِ وقتٍ معتدٍّ به، بات ممكناً الحكمُ على منظَّماتِ المجتمعِ المدنيِّ، ومقدارِ الفائدةِ التي حقَّقتها في مجتمعاتِها، ونسبةِ الضَّررِ الذي تسبَّبت به.
في الإجمالِ، أمستْ هذه المنظَّماتُ عنواناً برَّاقاً من جهة، ومضموناً مشكوكاً به، من جهة أخرى. فلا يبقى أمامَها إلا خيارَين: إمَّا الانتماءُ إلى هُويَّةِ مجتمعِها، أو الانعتاقُ منه، نحو تبنِّي ثقافةِ "المستعمرين".
تدرس هذه الورقة تأثيرَ ارتباطِ بعض المنظَّمات غير الحكوميَّة ببرامج الدُّول المانحة و"الأجندات الخارجية" في نشوء النظرة "السوداويَّة" التي وَسمتْ بشكل عام تحليلَ دور المنظَّمات في تنفيذ برامج خفيَّة ذات آليات خاصَّة في اختراق المجتمعات المستهدفة، سواء عن قصد أو غير قصد. وتتوقَّف الورقة عند تأثير المزايا الثقافيَّة في تشكُّل هذه الرؤية والنظر للمنظَّمات بوصفها جزءًا من نسيج المجتمع الأصيل، أو جزءًا من آليَّات الحرب الناعمة في خدمة المصالح الخارجية، لدرجة احتمال الإسهام في عرقلة التغيير الحقيقي. فمع تسارع تطوُّر العولمة، تبرز علانية أدوار المنظمات "القاتمة" فيما يتعزَّز دورها باعتبارها فاعلًا "وكيلًا". ويحلِّل البحث حراك تشرين الأول من العام 2019، في لبنان، بوصفه حالة لدراسة التَّوظيف السياسي للمنظَّمات غير الحكومية في استهداف حركة المقاومة وممثلِّها السياسي في البرلمان اللبناني، "حزب الله"، ومقارنة فعاليَّتها بلحاظ دورها ما بعد معركة "أولي البأس".
نشطتْ في السَّاحةِ العراقيَّةِ عدد من المنظَّماتِ الغربيَّةِ الفاعلةِ، والتي أدَّتْ دورَها في تعزيزِ مفهومِ الهيمنةِ، من خلالِ المساحةِ التي تشغلُها بالفعاليَّاتِ والنشاطاتِ التي تؤدِّيها، سواء مباشرةً من قبَلها أو من خلال تعاونِها مع الجهاتِ المحلِّيةِ العاملةِ ضمنَ هذا المجالِ. بالتَّزامنِ مع وجودِ عملٍ مشتركٍ بينَ عدد من الدولِ الأوروبيةِ وأمريكا في هذا الجانبِ، بصفته تعبيرًا واضحًا عن وحدةِ الغربِ باعتباره منظومة ما يزالُ يتجذرُ فيها الفكرُ التوسعيُّ والاستعماريُّ.
تاريخ صدور القرار 1959، والانسحابِ السوريِّ من لبنانَ، واغتيالِ رئيسِ الحكومةِ الأسبق رفيق الحريري، وبحث الأسباب والعوامل والدوافع خلف هذا التطوُّر الاصطناعيِّ المموَّلِ والموجَّهِ أميركيًّا ودوليًّا، وأدوارها الوظيفيَّة والتنمويَّة والسياسيَّة، وصولًا إلى تشخيصِ خيوط التدخُّل الدوليِّ في أهدافها وبرامجها، وتحوُّلها إلى أحزابٍ سياسيَّة ومشاريعَ سلطةٍ لخدمة مخطَّطات أميركيَّة ودوليَّة، والتعقيدات التي واجهتها في ظلِّ شبكات الفساد والبنية الطائفيَّة للمجتمع والسلطة في لبنان. ويُعرِّج البحثُ على تداعياتِ قرارِ الرئيسِ الأميركيِّ (ترامب) بوقف التمويل للمنظَّمات غير الحكوميَّة من خلال وكالةِ USAID وتأثيره في لبنان.
ويسلِّطُ الضوءَ على الأدوارِ النَّاعمةِ التي تتولَّاها هذه المنظَّماتُ في إعادةِ تكوين الوعيِ والذَّوقِ العام، لا سيَّما في المجتمعاتِ المحافظةِ من خلالِ الشَّراكاتِ مع منصَّاتٍ مثلَ نتفليكس (Netflix)، وتيكتوك (TikTok)، ودعمِ محتوىً يتبنَّى مفاهيمَ مثلَ الجندرة، والحريَّة الفرديَّة، والتنوَّع القيمي.
يركِّز البحثُ في أنَّ التدخُّلَ الثقافيَّ ليس عفويًّا، بل يرتبطُ بشبكاتِ تمويلٍ دوليةٍ ويعتمدُ على أدواتٍ رقميَّةٍ مؤثِّرة مثل الخوارزمياتِ، والمحتوى القصيرِ، ما يؤدِّي إلى تحوُّلاتٍ تدريجيَّةٍ في القيمِ لدى فئاتِ الشبابِ وانقساماتٍ مجتمعيةٍ متزايدة. ويخلصُ البحثُ إلى أن هناك أهدافًا ضمنيَّةً وراءَ الخطابِ الحقوقي، تتعلَّقُ بإعادةِ هندسةِ الوعيِ المحلِّيِّ وتذويبِ الهُويَّاتِ الجمعيَّة. كما يناقشُ البحثُ التداعياتِ المجتمعيَّةَ والسياسيةَ من ردودِ أفعالٍ رافضةٍ، وصولًا إلى ردودِ أفعالٍ حكوميةٍ بين التطبيعِ والممانعةِ.
والعملُ التطوُّعيُّ عبارةٌ عن جهدٍ يبذلُه الإنسانُ بكاملِ رغبتِه وإرادتِه واختيارِه، بهدفِ جلبِ المصلحةِ أو المنفعةِ للآخرِ، أو درءِ المفسدةِ ورفعِ الضَّررِ عنه، عن رضا ومحبَّةٍ ودونَ مقابلٍ ماديٍّ أو معنويٍّ، بقصدِ التَّقرُّبِ إلى الله.
ويمكنُ تحديدُ غايةِ العملِ التطوُّعي في الإسلامِ بتأسيسِ ثقافةِ أعمالِ البرِّ التبرُّعيِّ والخيرِ المطلقِ في المجتمعِ الإسلاميِّ، وتكريسِ ثقافةِ التَّكافلِ الاجتماعيِّ الطَّوعيِّ، وإيجادِ التَّماسكِ الاجتماعيِّ والأسريِّ، وإصلاحِ أحوالِ النَّاسِ. ولقد وردَ في الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ الكثيرُ من التَّشريعاتِ أو الأعمالِ المرتبطةِ بمصاديقِ العملِ التطوُّعيِّ أو التي تؤسِّسُ للعملِ التطوُّعيِّ أو لها صلةٌ مباشرةٌ أو غير مباشرةٍ به. ومن التَّشريعات التي تهيِّئ أرضيَّةَ العملِ التطوُّعيِّ: الهديَّةُ أو الهبةُ، الصَّدقاتُ المستحبَّةُ، الوقفُ الخيريُّ، الوصيَّة، العاريةُ، الصَّدقةُ الجاريةُ.
قد تكون التكنولوجية وأدواتها والبحث العلمي وأنواعه من بين أكثر الأدوات إنتاجا للمصطلحات، ولكن تقوم الإيديولوجية بإنتاج وإبداع مصطلحات فكرية ومعرفية بتداعيات تستجيب لمتطلبات العلاقة القائمة بين البيئة والعقول المتعايشة فيها. وترتبط المصطلحات بوظائف حيوية في المجتمع من أهمها تلك التي تقترن بتنشئة الأجيال على أنماط فكرية تتفاعل فيه الدلالات الإيديولوجية لنحت المعنى والمطالب المعرفية لمشروع بناء العقل والذات الجماعيين في المنظومة الفكرية والسوسيولوجية. عملية توليد المصطلحات من بين أهم الاستراتيجيات الثقافية للتطبيع الاجتماعي للأجيال بسبب التداول الفكري والمعرفي للمصطلحات التي تنشرها الأوعية الإعلامية في البيئة العامة التي تشكل أكبر وعاء للانتشار.
وقد نجحتْ هذه المنظَّمات إلى حدٍّ كبيرٍ في الغربِ في تطبيعِ هذه المفاهيمِ، لكنَّها واجهتْ مقاومةً دينيَّةً وثقافيَّةً في المجتمعاتِ المحافظةِ، سواء داخلَ الغربِ أو في العالمِ الإسلاميِّ. يهدفُ البحثُ إلى تحليلِ أدواتِ الهيمنةِ الثقافيَّةِ، ودراسةِ نماذجَ للمقاومةِ، وتقديمِ توصياتٍ تحصِّنُ المجتمعاتِ من هذا التغلغلِ القيميِّ.
إنَّ برامجَ التلفزيون وأفلامَه ومسلسلاتِه أداةٌ فعَّالةٌ جدًّا لخلقِ سيناريوهاتٍ تدعمُ رؤيتَها السياسيَّةَ، وتروِّجُ لصورةٍ إيجابيَّةٍ عنْ أنشطتِها. يكشفُ هذا الكتابُ بعضًا من تاريخِ الوَكالةِ وكيف تعاونت مع هوليوود في صناعةِ ترفيهٍ يخدمُ مصالحَها، ويجذبُ العملاءَ لها، ويبرِّرُ سرِّيتَها المُبالغ بها، سواء بتقديم الدَّعمِ الماديِّ لإنتاجِ الأفلامِ والمسلسلاتِ أو من خلالِ تقديمِ مَشوراتٍ فنِّيةٍ أو معلوماتٍ اسْتخباراتيَّةٍ تسهمُ في تشكيلِ تصويرِ الواقعِ السياسيِّ، حسب ما يخدمُ مصالحَ الوَكالةِ.
التعليقات