
أوّل الكلام: أميركا: إمبراطوريّة الكذب والعدوان
رئيس التحرير
د. محمّد محمود مرتضى[1]
يحتوي فعلُ "الوجود" عند الإنسان، على مفارقةٍ تاريخيّةٍ وفلسفيّةٍ قديمةٍ، وهي مفارقةُ ضرورةِ وأهميّة الاجتماع البشريّ كحاجةٍ حيويّةٍ له لبقائه وديمومة وجوده، ومن جهة أخرى تحتوي هذه المفارقة على عنصر المزاحمةِ والصّراع، الّذي يولّده وجود الآخر في الحيّز الزّمانيّ والمكانيّ نفسه. لقد أدّت هذه المفارقة المزدوجة إلى نشوء تصوّرات فلسفيّة متعدّدة لحلّ هذا الاشتباك المعقّد، وإيجادِ نسقٍ يستطيع أن يقدّم مسارًا يتعايش فيه البشر مع كلّ الاختلافات الثّقافيّة والعرقيّة والحضاريّة. إنّ المدارس النّظريّة الصّراعيّة ومذاهب القوّة، تتفّق على أنّ خصائصَ ثقافيّة أو عرقيّة أو حضاريّة ما، تعطي الحقّ بالقوّة لجماعة ما، على أن تنال نصيبًا أفضل وأكبر من غيرها في الوجود، ويشكّل هذا الصّراع ونسق القوّة، الحلّ "الطّبيعيّ" الّذي تقدّمه "الطّبيعة" والتّكوين للإنسان، مع الاذعان المسبق بسقوط الضّحايا والخسائر المناسبة لهكذا صراع على البقاء. إنّ التّاريخ البشريّ، يشهد على هذا الصّراع الفكريّ العميق والدّقيق، والخطرِ في الوقت نفسه، والّذي لوّن مشهديّة التّاريخ بلون الدّم الأحمر، ولم يخلُص إلى حدّ الآن إلى صنع مستقبلٍ آمن للبشريّة. رغمَ أنّ الأديان الوَحْيانِية والسّماويّة الإلهيّة، وخصوصًا الدّين الإسلاميّ بطرحه الخلاصيّ المهدويّ، يقدّم طرحه الخاصّ في نجاة الإنسان من قدرِ القتل والمسار الدّموي للبقاء حيًّا، إلّا أنّ الظّروف الموضوعيّة لهذا الطّرح لم تتكامل إلى حدّ اليوم.
على أنّ القرن الواحد والعشرين يشكّل محطّة مناسبةً، لإعادة النّظر بالمرحلة التّاريخيّة الفائتة على مساحة قرنٍ ونيّف من الزّمن، حيثُ تزامن عنصر التّقدم والتّطوّر التّكنولوجيّ، والتّقنيّ، والعلميّ، والانفجار الهائل في عصر المعلومات والحوسبة، والصّناعات الثّقيلة والذّكيّة، والاختراعات الدّقيقة، مع بروز الحضارة الأميركيّة كقوّة عالميّة كبيرةٍ ذات قدرات ضخمة في العديد من المستويات. هذه المزامنةُ، لم تكشفُ إلّا عن وجهٍ صراعيّ دمويٍّ للحضارة الأميركيّة، طالعته البشريّة منذ احتلال القارّة الأمريكيّة مرورًا بمرآة الحرب العالميّة الأولى والثّانية، وما بعدها من الحروب البينيّة والإقليميّة والدّوليّة إلى هذه اللّحظة، مخلفةً ملايين من القتلى والضّحايا والدّمار الواسع، مع تنوّع كبير في أدوات وأساليب القتل والممارسة الإفنائيّة للجماعات والشّعوب، والطّبيعة.
ثم إنّ التّوقّف عند "الحضارة" الأمريكيّة، يحيلنا الى ثلاثة مجاور صبغت التّاريخ الأمريكيّ:
المحور الأوّل: التّنظير الفلسفيّ للقتل؛ حيث دأب المنظّرون الأمريكيّون، تبعًا للمنظّرين الأوروبيّين، على فلسفة عمليّات القتل والعدوان، بمبرّرات استعلائيّة تارّة، وحضاريّة تارة أخرى، تحت شعارات حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة، ورفع مستوى الوعي، وتأهيل الدّول على حكم نفسها، والدّفاع عن الأقليّات، والأمن القوميّ، وما الى ذلك من شعارات مخادعة، مستعملين في ذلك مختلف أساليب القمع والعدوان العسكريّ والسّياسيّ والاقتصاديّ إلخ.
المحور الثّاني: على أنّ تحقيق النّتائج المرجوّة في المحور الأوّل، لا يتمّ إلّا إذا تلازم ذلك مع حملة دعائيّة، وتضليل إعلاميّ كبير تُنفق عليها مليارات الدّولارات؛ إذ لم يشهد التّاريخ هذا الحجم من الضّخّ الإعلاميّ المزيّف، ومن التّضليل المبرمج، ومن الإنفاق على وسائل الإعلام المختلفة، هذا الإعلام الّذي يدّعي الموضوعيّة، ليظهر لاحقًا أنّه أبعد ما يكون عنها، ولتكشف الحرب على غزّة، وما قبل غزّة وما سيأتي بعدها. إنّ هذه الإمبراطوريّة الإعلاميّة الغربيّة عامّة، والأمريكيّة بشكل خاصّ، ليست سوى إمبراطوريّة الكذب، وتزييف الحقائق، والتّلاعب بالصّورة، وحجب الوقائع، هي صورة ما تريد الإدارة الأميركيّة، ولوبيات الضّغط تظهيره للرّأي العامّ لا سيّما الدّاخل الأمريكيّ، فتغدو الحرّيّة للأمريكيّ ليست سوى القدرة على الإختيار بين حقّ أُلبس لباس الباطل لتنفر منه، وباطل صُوِّر بمظهر الحقّ لتُقبِل عليه. فلا غرابة والحال هذه، أن تسقط أنظمة بحجّة امتلاك أسلحة محرّمة دوليًّا، أو السّعي لامتلاكها لن يُثبت وجودها أبداً، أو تُفرض إجراءات اقتصاديّة ظالمة على شعوب بأكملها، فيما تقوم الآلة الإعلاميّة بتسويقها على أنّها فرضت على النّظام فقط، على أن المفارقة الكبيرة هي أنّ من يهدّد بالحرب، دولا أخرى بدعوى امتلاك أسلحة محرّمة دوليًّا هو الأكثر استعمالّا لها عبر التّاريخ، بل هو أوّل وآخر -إلى الآن- من استعمل السّلاح النّوويّ.
المحور الثّالث: هو محور تنفيذ الخطط عمليًّا عبر الحروب العسكريّة والإقتصاديّة والسّياسيّة والإجتماعيّة.
هي حروب إبادة بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وهي حروب رافقت الولايات المتحدة الأمريكيّة من قبل نشوئها، وأعني منذ لحظة اكتشاف القارّة وغزوها من الأبيض القادم من أوروبا، لتبدأ بعدها مباشرة حروب الإبادة الجماعيّة للسّكّان الأصليّين. ولم تكد تنتهي هذه الحروب، حتّى خاض المحتلّون حربًا أسموها حرب الاستقلال ضدّ البريطانيّين، ولا ندري من يستقلّ عن من، وهم جميعًا غُزاة؟!
ثمّ جاءت بعدها الحرب الدّاخليّة بين الشّمال والجنوب، لتتوالى بعدها سلسلة الحروب. ولعلّنا لا نبالغ إن قلنا إنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة هي أكثر الدّول خوضًا للحروب مقارنة بعمرها، وهي أكثر الدّول فتكًا لناحية عدد الضّحايا، الّذين خلّفتهم حروبها مقارنة بعمرها أيضًا. وإذا كان "ميكافيللي" أوّل من أطلق مقولة "الغاية تبرّر الوسيلة"، فإنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة هي الأكثر عملاً بها، والإخلاص لها.
وعلى أيّ حال، لقد أظهرت البحوث الجادّةُ حول تاريخ القتل والإجرام الأميريكيّ، عن سماتٍ بنيويّةٍ للعقل، والشّخصيّة الحضاريّة الأميريكيّة القائمة على العنف، والإفناء، والقتل، وتجريمِ الآخر لكونه آخر، وهي ترتكزُ على قواعد فكريّة وحضاريّة متّصلة بالجذور الأوروبيّة للعنف. إنّه العنفَ بصيغته الأوروبيّة، المتمحور حول الأورو-مركزيّة الحضاريّة المتعاليّة والغارقة في الطّهرانيةِ والاستعلاء على الآخرين، ذات الاتّجاه التّبريريّ لفعل التّسلُّط والقتل.
إنّ مشهديّة العنف الأميريكيّ ترتكز في عمقها إلى روحيّة إبادة السّكّان الأصليّين، والاستيلاء على أرضهم وخيراتهم، والإمعان في قتل الرّوح الحضاريّة والثّقافيّة لهذه الشّعوب الأصليّة، بما يضمنُ أبديّة الاستعمار المباشر وغير المباشر، وضمان بقاء الأوروبيّ والأميريكيّ في المقدمة دومًا، وهذه الرّوحيّة هي صناعةٌ أوروبيّة في عهود الاستعمار الكولونياليّ الأوروبيّ، الّتي سادت الكرة طوال قرون إلى منتصف القرن العشرين. وهذا الموضوع، قد تمّ بحثه بشكلٍ دقيق وموسّع في العدد الماضي من مجلّة "أُمَم". وفي هذا العدد، تطرّقنا إلى التّنظير الفلسفيّ للحر،ب والقتل في العقل السّياسيّ والحضاريّ الأميريكيّ، خصوصًا في ما يتعلّق بالمرجعيّات الفكريّة النّظريّة للعنف، عند صقور الإدارة الأميريكيّة المؤثّرين على مستوى القرار والقيادة والاستراتيجيا.
القضيّة الثّانية الّتي يبرزها هذا العدد في بحثه حول العنف وتاريخ الحروب الأميريكة، هو إبراز لاحضاريّة التّفوّق الأميريكي وبناء الدّولة الحديثة الأميركيّة، من خلال إظهار سمةٍ عامّةٍ رافقت هذا البناء، وهي الكلُفة البشريّة العاليّة جدًّا، الّتي تمّ دفعها من دماء الشّعوب، من أجل بناء وبقاء الدّولة الأميريكيّة؛ ولذلك، برّز هذا العدد من المجلّة، وضمن إحصاءات دقيقةٍ، الأعدادَ المخيفة للقتلى وضحايا حروب أميركا في هذا المرحلة فقط، لتظهر هذه الإحصائيّات حقيقةَ القوّة والمسار الحضاريّ المتقدّم المدّعى، الّذي تروّج له السّياسة والإدارة الأميركيّة.
إنّ حقيقةَ المسار الدّمويّ الواسع هذا، أفسح في المجال بشكل لا لَبْسَ فيه، أمام تعرية الدّعاية السّياسة الأميركيّة المختبئة، خلف شعارات حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة والإنسانيّة، وذلك ببداهة المسار الاجراميّ، الّذي لم يكن من الممكن إخفاؤه عن الشّعوب في العالم. لقد أظهرت البحوث الّتي تمّ إجراؤها، حجم التّمويل الكبير والتّخطيط الّذي تقوم به أميركا، فيما يخصّ التّضليل الإعلاميّ، واللّعب بالعقول، وتحوير الحقائق، واستغلال إرادات الشّعوب بشكل براغماتيّ، فيما يرتبط بمصلحتها الخاصّة فقط. إنّ تاريخ التّضليل الإعلاميّ والكذب والتّزوير وتحريف الحقائق، الّذي مارسته أميركا في خصوص حرب فيتنام، والخليج الأولى والثّانية، وحرب العراق، وسوريا، وبطبيعة الحال فيما يتعلّق بكلّ حركات المقاومة في بلادنا وابتداع تسميات الإرهاب، والتّطرّف وإخراجها من صنف البشر في تبرير مسبق للقتل والإفناء، يشهد على حجم التّزوير وإرادة الإجرام والقتل بشكل عمديّ ونهائيّ، كأسلوبٍ أميركيّ أصيل في العمل السّياسي والإنسانيّ .
وتظهر أبحاث هذا العدد كذلك، الآثار التّدميريّة الواسعة للحروب الأميريكيّة في الحربين العالميّتين، وحرب فيتنام، وغزو أفغانستان، وخصوصًا الاستخدام الواسع للأسلحة المحرّمة دوليًّا، بالأدّلة والمعلومات الإحصائيّة الدّقيقة، الّتي تظهر عدم اعتناء هذه الحضارة بأدنى حقوق الإنسان، والقوانين الدّوليّة الإنسانيّة الّتي تمّ الاتّفاق عليها في المواثيق والعهود الدّوليّة. رغم أنّ اضطرار الحكومات الأميركيّة المتعاقبة إلى استخدام القوّة المفرطة غير الشّرعيّة والمسبّبة للدّمار الشّامل، كما فعلت في هيروشيما وناغازاكي، وفيتنام، والتّدمير الوحشيّ للعراق وبُناهُ التّحتيّة وموارده البشريّة وفرض الحصار الجائر عليه، وعلى الشّعوب الأخرى كاليمن وفلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وغير ذلك، يؤشّر إلى الضّعف المتمكّن التّدريجيّ الحاصل في القوّة الأميركيّة والكامن فيها، بحيث أنّها تلجأ إلى الإجرام والوحشيّة من أجل حسم النّزاعات وتحقيق مصالحها، وهو أمرٌ لا يرتبط بالعمل السّياسي بأيّ صلة. ومن جهة أخرى، سبّب هذا السّلوك الإجراميّ في استعمال الأسلحة المحرمة دوليًّا، بإيجاد نوعٍ من التّبرير والمشروعيّة في استخدامها، عند حلفائها خصوصًا الدّول الأوروبيّة الّتي تستخدمها أميركا في حروبها، وكذلك الدّعم منقطع النّظير الّذي ناله البائد "صدّام حسين" في حربه على شعبه والشّعوب المجاورة، واستخدامه أسلحة محرّمة دوليًّا كالأسلحة الكيميائيّة، وأساليب القتل الممنوعة وغير ذلك، وكذلك ما قامت به إسرائيل من جرائم وحشية مدانة منذ سبعين عامًا، فيما يشابه المسار الإجراميّ التّاريخيّ لأميركا في استئصال الشّعوب الأصليّة، وفي استخدام كافّة أنواع القتل، والجرائم، والأسلحة المحرّمة في سياق الحرب الوجوديّة المدّعاة للكيان الإسرائيليّ المغتصب، وكلّ ذلك تحت رعاية، ودعم، وتمويل، وتوفير غطاء قانونيّ ودوليّ وإعلاميّ أميريكيّ. وهذا الّذي نشهده حاليًّا في غزّة والضّفة، أمام أعين العالم. فضلًا عن انتهاكات حقوق الأسرى والمساجين، الّتي شكّلت فضيحة كبرى لمزاعم أميركا والعالم الغربيّ، في محتجزات ومعتقلات "أبو غريب" و"غوانتنامو" وبقيّة المعتقلات السّرّيّة في العالم.
إنّ هذا المسار من الوحشيّة، والقتل، والكلفة الإنسانيّة الباهظة، الّتي يتكلّفها المجتمع الإنسانيّ العامّ، تحت وطأة القوّة العسكريّة والاستعماريّة الأميركيّة الغاشمة، والسّيطرة الخبيثة على الاقتصاد، والإعلام وصناعة المعرفة عالمياً، وارتكازهِ إلى سياقات بنيويّة معرفيّةٍ مرتبطةٍ بأصول توراتيّة-مسيحيّة وفق قراءاتٍ طهرانيةٍ خاصّة، ونتيجة فلسفات القوّة والعبثيّة والنّيوليبراليّة، الّتي تتيحُ لصاحب القوّةِ ممارسةَ ما لديه من القدرة، من أجل تحقيق مصلحتهِ كقيمةٍ حضاريّة عليا. وهذا الأمرُ، يخضع لنقاش حضاريّ وقيميّ في الصّميم؛ ولذلك، كانَ لا بدّ من فتحِ آفاقٍ أوليّةٍ للباحثين، في طرح ما يخصّ النّظرة الإسلاميّة لاستخدام أسلحة الدّمار الشّامل ومشروعيّة ذلك، وإظهار المبادئ الصّحيحة والسّليمة لحدود استخدام العنف في الصّراعات، وحلّ النّزاعات مع الآخر، وكيفيّة بناء حياة اجتماعيّة "أكثر إنسانيّة". وكذلك فيما يخصّ حقوق الأسرى من وجهة نظر إسلاميّةٍ، والّتي تظهر الإطار الإنسانيّ والحقوقيّ الشّرعيّ، الّذي يؤمّنه هذا الدّين للأسرى، في مشهدٍ مخالفٍ للسّائد تحت نظر، وفعل، وتأييد الإدارة الأميركيّة في هذا القرن الفائت، المليء بالجثث والقتل والمصابين والمتضرّرين من الإفراط في استخدام العنف والحرب دون حدود.
والحمد لله أولا وآخرًا
[1] مدير مركز براثا للدّراسات والبحوث (بيروت)، ورئيس تحرير مجلة أمم.
هذا الحوار يدور بين شخصيّتين فاعلتين ومؤثّرتين، المفكّر والنّاقد الأمريكيّ اليهوديّ (نعومي تشومسكيّ)، والمحلّل السّياسيّ والمحقّق الصّحفيّ (أندريه فلتشيك). حوار ناقد بامتياز، يحاولان فيه كشف بعض الأسرار والمعلومات، عن إمبراطوريّة الولايات المتّحدة الأمريكيَّة وأوروبا. أهمّ ما توصّل إليه نقاشهما، هو أنّ القوّة الأمريكيَّة لم تَعُد كما كانت، ربما تستمرّ بسياساتها الإجراميّة، لكن بطرق جديدة ومختلفة، أكثر تطوّرًا وتقنيّة بكافّة النّواحي.
هذه الحرب كانت في فيتنام، شنّتها أمريكا كقوّة عظمى، لا تزال تحتفي بانتصارها المهيب والحاسم، على دول المحور في الحرب العالميَّة الثَّانية. لكن تشاء الأقدار أن تخرج من ذلك الصّراع بهزيمة مذلّة، وخسائر ماديّة وبشريّة كبيرة صدمت العالم أجمع -بالأخص الدَّاخل الأمريكيّ- الّذي أصبح متشكّكاً أكثر من أيّ وقت مضى في كفاءة قيادته وصدق ادّعاءاتها. كانت حرب فيتنام هي الحرب الأطول والأكثر إضعافاً للبلاد، وكانت لها عواقب بعيدة المدى وشديدة الأثر على معظم جوانب الحياة الأمريكيَّة بداية من الاقتصاد، ومروراً بالثّقافة، وانتهاءً بالسّياستين الدَّاخليّة والخارجيَّة.
وبشكل خاصّ الجرائم والفظاعات، الّتي ارتكبها الجيش الأمريكيّ بحقّ العراقيّين. وعلى الرّغم من أنّ التّدخّل الأمريكيّ، جاء تحت شعارات رنّانة، مثل إرساء الدّيمقراطيّة، وحقوق الإنسان، وتخليص العراق من أسلحة الدّمار الشّامل، إلا أن الغزو بقيادة الولايات المتَّحدة الأمريكية، لم يحمل فعليًّا للعراق سوى الفوضى، والعنف، والموت، وكلّ أشكال الدّمار. لقد استباحت الحرب موارد العراق، وأغرقته في عدّة أزمات خانقة مهّدت لخرابه، وهو البلد الّذي شكّل خطرًا استراتيجيًّا على مصالح الولايات المتَّحدة وحليفتها إسرائيل، وجعلت الحرب من التّوترات الطّائفيّة بين المسلمين السّنة والشّيعة، وقوداً للانقسام السّياسيّ والعنف والتّطرّف. هذا التّدمير الممنهج أدّى إلى انقسامات خطيرة في المجتمع العراقيّ، وأصبحت الهجمات الإرهابيّة روتينًا يوميًّا، شلّ الحياة في العراق ودمّر كلّ أشكال النّموّ والتّطوّر، ومازال العراق يعاني، من عواقب التّدخل الأمريكي حتّى يومنا هذا.
وكان أن تناول أهمّ مفكري السّياسة وفلاسفتها، وهم (ليو شتراوس) ونظريته السّياسيّة الّتي تقوم على ضرورة الحفاظ على مجد الأمّة الصّاعدة أمريكا عبر نسقٍ فلسفيّ، أُسّس لحكم الخاصّة، وضرورة إرجاع السّياسيّ لحقل القِيَم؛ لكن هذه الدّعوة إلى القيَم لم تكن لسببٍ أخلاقيّ، بل لسببٍ براغماتيّ يقول: "إنّ القيم والدّين هما أكثر ما يؤثّر في العامّة. وبذلك تصبح القيم أداة الهيمنة الجديدة، محمولة على ما دعاه بالأكاذيب النَّبيلة. الأكاذيب النّبيلة أخذت شكلًا مجسّداً بتنظيرات كلٍّ من (صموئيل هنتنغتون) وأطروحته ’صراع الحضارات’، و(فرانسيس فوكوياما) بإطروحته ’نهاية التّاريخ’، وما طال كلًّا من الطّرحين من جدلٍ أسَّس لحضورهما في المشهد السّياسيّ التَّطبيقيّ، حيث تلقَّفته مجموعاتٌ سياسيَّةٌ تلوَّنت وانبثَّتْ في مطابخ السّياسة الأمريكيَّة، لتروِّجَ لمفهوم الحرب بوصفه الأداةَ الأنجع لاستمرار "مجد أمريكا"، دون أن يكون لعدد الضَّحايا ولكمِّ الخراب خارج حدود أمريكا أيّ اعتبار.
وقد برز هذا الخطاب بقوّة الحروب الّتي شنّتها الإدارة الأمريكيّة في عهد "جورج بوش" الابن، بغطاء دينيّ، تحت مسوّغ نشر الفوضى والحروب الّتي ينبغي أن تشتعل من أجل تسريع النّزول الثّاني للمسيح.
صحيح أنّ هذا التّيار قد بدأ في أوروبا، تحت مسمّى المسيحيّة الصّهيونيّة، لكنّه انتشر لاحقًا بقوّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وقد تمّ توظيف هذه الفكرة سابقًا لترويج إعادة اليهود إلى أرضهم المزعومة.
وبكلّ الأحوال، فقد مثّلت الصّهيونيّة المسيحيّة تيارًا لا يبتعد عن التّيارات العنفيّة الإرهابيّة وإن لبست لباس الحكومات، وشكّلت أيديولوجيّة إرهابيّة بغطاء دينيّ.
لقد استمرّت الحرب أربع سنوات، وأسفرت في نهاية المطاف عن انتصار الاتّحاد الفيدراليّ في الشّمال وخسارة الولايات الكونفدراليّة في الجنوب. بيد أنّ الخسائر البشريّة التي تكبّدها الطّرفان كانت فادحة إلى حدّ تجاوزت خسائر حروب الولايات المتّحدة مجتمعة، حيث قُدّر عدد القتلى من الطرفين بسبعمئة وخمسين ألفًا، فضلًا عن الخسائر الاقتصاديّة الّتي لحقت بالطّرفين المتحاربين، وبخاصّة في الولايات الجنوبيّة.
لا تزال قضية الحرب الأهليّة الأميركيّة حاضرة بقوة في العقل الأميركيّ، والشّيء اللّافت أنّ المجتمع الأميركي الحالي، أصبح أكثر تقبّلًا وتوقّعًا للحرب، أكثر من أيّ وقت مضى؛ إذ تشير استطلاعات الرّأي إلى أنّ معظم الأميركييّن يعتقدون أنّ الانقسامات الحادّة ازدادت سوءًا منذ بداية عام 2021. ويعتقد اثنان من بين كلّ خمسة أميركييّن أنّ الحرب الأهليّة محتملة في العقد المقبل.
ولقد اتّبع البحث المنهج التَّاريخيّ التّحليليّ. ويحاول البحث تحليل سياق أول استخدام للأسلحة النّوويّة في الحرب، مع ما تسبَّبت به، من تأثيرٍ عميقٍ على العالم، وأكّد على ضرورة تعزيز التّعاون الدُّوليّ لمنع نشوب الحروب والصّراعات، ونشر السَّلام والتّسامح وتطوير وسائل السَّلام، وتعزيز التّعليم وحقوق الإنسان، وأهمّية العمل على تحقيق توازن الردع بهدف لجم الإجرام الأميركي، والسعي المتبادل لتفكيك ترسانات الدمار الشامل لدى جميع الأطراف الدوليين، ودعم برامج التفتيش النووي ضد الدول المارقة مثل "الكيان الصهيوني".
تحمّل الأفغان البسطاء كافّة الآثار السَّلبية، النّاجمة عن الغزو الأجنبيّ المتكرّر لبلادهم. وبعد الهجوم الّذي تعرّضت له الولايات المتّحدة الأمريكيّة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، شنّت أمريكا حربًا شرسة ضدّ أفغانستان -تحت مزاعم كاذبة وادّعاءات مضلّلة– إذ أطلقت على حربها ضدّ أفغانستان اسم “الحرب على الإرهاب”. لقد طوّرت أمريكا حروبها الوحشيّة إلى حدّ مخيف، بحيث تحوّلت من "حروب على الإرهاب" إلى “حروب إرهابية”، تشنّها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ضدّ كلّ الدّول المناوئة لها، والمعارضة لسياساتها العدوانيّة. لقد قامت أمريكا بارتكاب جرائم وحشيّة بحقّ المدنيِّين الأفغان، واستخدمت الأسلحة المحرَّمة دوليًا لقتل النّاس وتدمير البيئة. وقد أدّى الغزو الأمريكي لأفغانستان إلى انهيار الاقتصاد الأفغانيّ
وهي جرائم ضدّ الإنسانيّة، الّتي استخدمت أساليب بالغة الوحشيّة في حربها على السّكّان الأصليّين، (الهنود الحمر) واليابان، وفيتنام، والعراق باستخدام الاسلحة المحرَّمة دوليًّا. تُعدّ أمريكا الدّولة الوحيدة في تاريخ البشريّة الّتي استخدمت سلاحًا نوويًّا في صراعها مع اليابان، لقد احتلّت فيتنام واستخدمت الأسلحة الكيميائيّة والجرثوميّة على شعبها، واحتلّوا العراق وقاموا باستخدام الأسلحة العنقوديّة، وغيرها من الأسلحة ذات اليورانيم المنضّب. كما تتناول هذه الدّراسة التّأثيرات المختلفة، لاستخدام الأسلحة المحرَّمة دوليًّا بأنواعها، النّوويَّة، والكيميائيّة، والبيولوجيّة على الإنسان، والبيئة، واقتصاد الدّولة المحتلّة أثناء الحروب.
يوثّق البحث أساليب التَّعذيب المُتّبعة في المواقع السّود الأمريكيَّة، بالأخصّ في سجنيّ "جوانتانامو" و"أبو غريب"، معزّزًا بالأدلة والأمثلة على هذه الانتهاكات والفظائع، كشهادات للجنود الأمريكان المُدانين. كما يسوق بعض شهادات للمعتقلين السَّابقين في هذه المواقع السّود. بشكل عامّ يُقارن المقال، بين ما تدعيه آلة الزّيف والكذب الأمريكيَّة، وبين الحقائق الصّادمة.
وتبرير عدوانها السّافر، واستخدامها لأسلحة الدّمار الشَّامل، والأسلحة المحرَّمة دوليًّا، بحجّة نشر السَّلام والدّيمقراطيّة، والحفاظ على حقوق الإنسان. ولكن في الحقيقة لا يتعدّى الأمر كونه سيطرة على مقدّرات الشّعوب، ونهب خيراتها، والسَّيطرة على الموارد، ويثبت أن كلّ ما قدّمته من عناوين بشأن السَّلام الدّولي، ما هو إلّا عناوين برّاقة لأهداف نفعية وماديّة بحتة. كما قدّم البحث نبذة عن دور الإعلام المقاوم، في فضح التَّضليل والأكاذيب الأمريكيَّة، والضّغوط الّتي تعرّض لها، ولا سيّما في منطقتنا العربيّة.
وإن تعدّدت أشكال الهيمنة الأميركيّة على شعوب العالم من العسكريّة، والاقتصاديّة، والثّقافيّة، فإنّنا سنتطرّق في هذا البحث إلى الحروب، الّتي خاضتها الولايات المتّحدة منذ إعلان استقلالها، بهدف احتلال المزيد من الأراضي وتوسيع نفوذها، سواء بشكل مباشر أو بالوكالة في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك منطقة غرب آسيا؛ للحديث عن أبرز الخسائر البشريّة الّتي خلّفتها تلك الحروب.
- الحربُ العالميَّة الأولى - الحربُ العالميَّة الثَّانية - حرب الخليج - الضَّحايا - القتلى - إبادة الشّعوب الأصلية.
فرغم حداثة تطوير هذه الأسلحة، ورغم العقبات الّتي تُعرقلُ تقنينَ استخدامها في القانون الدّوليّ، وقانون النّزاعات المُسلَّحة، فإنَّ قواعدَ فقه الجهاد تضبطُ إمكانية اللجوءَ إلى هذه الأدوات الحربيّة، ولاسيّما أسلحة الدّمار الشَّامل، وبالتّحديد الأسلحة النّوويَّة. لكن ينبغي التّذكير، بأنَّ المُقارنةَ بين قانون الحرب وفقه الجهاد ليست مسألة سهلة، ولا يمكن قصرها على مُقابلة قواعد القانون الدّوليّ الإنسانيّ، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ(jus in bello) في قبال ضوابط السّلوك الحربيّ في الإسلام. فالإسلامُ يهتمُّ بقوةِ بأصل شرعيّة الحرب أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ(jus ad bellum)، ومواصفات الحاكم القائم بها، وهو ما يتجاوزه المُشرِّعون في القانون الدّولي إلى حدٍّ ما، لكون أغلب حروب اليوم عدوانيّة.
تتطوَّرُ الأسلحةُ بشكلٍ كبيرٍ في هذا العصر، بل يتَّضحُ أنَّ الحروب هي قاطرة التّقدُّم التّكنولوجيّ الحديث. وهذا يفرض توسيع البحث إلى أنواعٍ جديدةٍ من الأسلحة، في زمن الذّكاء الاصطناعيّ، والمُسيّرات، والتّشغيل الآليّ وغيرها. إنَّ خطورةَ هذه الاستخدامات المُعاصرة للتّكنولوجيا الحربيّة، تفرضُ التَّشدُّدَ في ضبطها، وهو ما ينبغي أن يدفع نحو تطوير فقه الجهاد إلى المصاديق المستحدثة.
وإنَّ الأسسَ الّتي حكمت مُعاملة الأسرى، وهي ثلاثية: الرَّحمة، الكرامة، العدالة، تعكس مدى التزام الإسلام بحقوق الإنسان، ضمن رؤية منهجيّة مُتكاملة، وطرح عالميّ عابر لحدود الزّمان والمكان.
إنَّ التعرُّفَ إلى بعض هذه الحقوق، الّتي طبَّقها الإسلام لهو أمرٌ ضروريٌّ ومُهمٌّ، لمعرفة إنسانيّة التشريع الإسلامي، والاستفادة من هذا الطّرح لتطبيقه على أرض الواقع.
إنَّ الغرضَ من هذا البحث، هو التّعرُّف إلى حقوق الأسير في الإسلام، ومُقارنتها بالقوانين الدّوليّة لاسيّما اتفاقيّة جنيف، وبيان أسبقيّة، وشموليّة، وربانيّة، الطّرح الإسلاميّ في هذا المجال؛ إذ نعتقدُ أنَّ الإسلامَ قدَّم أنموذجًا يُحتذى به في مجال التّعامل مع الأسرى، ممَّا يُمكن أن يكون مصدر إلهام للمجتمعات الحديثة، والقوانين الوضعيّة في مجال رعاية حقوق الإنسان، ومنها حقوق الأسرى. وقد اعتمدنا المنهج الوصفيّ- التّحليليّ بالإضافة إلى المنهج المقارن.
الأسرى - الحرب- الحقوق- الإسلام – اتّفاقيّة جنيف.
التعليقات