مجلة امم العدد السادس العنصريّةُ: الإرثُ البارِزُ في الهويّةِ الغربيّةِ

مشاركة هذا الموضوع :

ملخصات البحوث

تُعدُّ «العُنصريّة» من الظَّواهر البَشريّةِ المَقيتة، فقد تَسبَّبَت بالكثير من الصِّراعاتِ والإشكاليّاتِ بين الأُمم والمُجتمعات؛ لذلك لم يكنْ من المبالغة وصفُها بأنَّها ظاهرةٌ إنسانيّةٌ بالأساس، إلا أنَّها ارتبطَت ببعض الجماعات والأُمم التي رأتْ في نفسِها، انطلاقًا من خَلفِيّاتٍ دينيّةٍ وتاريخيّةٍ وفِكريّة، أنَّها من نوعٍ فائقٍ وأعلى من بقيّةِ الأجناسِ البَشريّةِ.

كانَت الجماعاتُ اليَهوديّةُ من أبرزِ وأهمِّ تلك الجماعاتِ، لاعتناقِها فكرةَ «شعب الله المُختار»، وهي الفكرةُ الدِّينيّةُ اليَهوديّة التي طوَّرتْها الصّهيونيّةُ للتَّسويغِ لضرورةِ أن يكونَ لهم وطنٌ قوميٌّ خاصٌّ يَحفظ نقاوةَ جِنسهم الدِّينيِّ المائز؛ وهو ما أصَّلَ له هذا البحثُ، وشرحَ خَلفِيّاتِه ومَصادرَه المُختلفة، سواء الدِّينيّة أو الفِكريّة أو حتّى التّاريخيّة. 

كما شرح البحثُ وحلَّلَ أهمَّ سماتِ وتَجليّاتِ هذه العُنصريّةِ اليَهوديّة، التي امتدَّتْ إلى الفِكر الصّهيونيِّ أيضًا، وانحصَرَتْ في الانعزاليّةِ والعُداونيّةِ ومَظاهرَ أُخرى كانَت نتاجًا لفكرٍ عنصريٍّ تَمييزيٍّ شاذّ.

يرتبطُ الحضورُ الثقافيُّ الغربيُّ بالتَّفوُّق والنَّمذجةِ الكونيّةِ، التي تُصنِّفُه كعتبةٍ تاريخيّةٍ تتجاوزُ جلَّ الحضاراتِ السّابقة، هذا الحضورُ غطَّى على إمكانيّة تَحقيقِ تَثاقُفٍ بين ثقافاتٍ مختلفةٍ،

 قد تَحوز نفسَ المَرتبةِ التَّصنيفيّةِ في المَسار التاريخيِّ، الذي يتمُّ تأطيرُ النَّموذجِ الغربيِّ وَفقه، ممّا أكسبَ المَركزيّةَ الغربيّةَ رداءَ العُنصريّةِ الثَّقافيّةِ، التي تستمدُّ جذورَها من الاعتقادِ بالتَّفوُّق النّاتجِ عن الطّابعِ الأوروبيِّ والعَقيدةِ المَسيحيّةِ والسَّلَف الإغريقيِّ.

هذا التصوُّرُ العُنصريُّ، الذي يُؤسِّسُ لبنيةِ الثَّقافة الغربيّةِ، يتغذَّى على الأيديولوجيا الأوربيّةِ، التي تكشَّفَت خلالَ النَّهضةِ، وما زالَت مُمتدّةً إلى يَومنا، والتي تَنحو إلى إبداعِ سَرديّةٍ غَربيّةٍ تَنتعش على الاستمراريّةِ والامتدادِ التّاريخيِّ، وتَقطعُ الصِّلةَ بالتأثيراتِ الثَّقافيّةِ الأخرى. وبالتالي نُصبحُ أمامَ طرفٍ مُعاكسٍ لهذا الغَربِ، وهو الشَّرقُ، كلُّ هذا أوجدَ وحدانيّةً ثقافيّةً تتغذَّى على العُنصريّة وإقصاء المُختلِفِ بدَعوى التَّخلُّف، وهو ما يُعاكِسُ جوهرَ الكونيّةِ ذاتَه، الذي يَقوم على مبدأ قَبولِ الاختلافِ، الذي تمَّ طمسُه لصالحِ أن يكون الكلُّ مُحدَّثًا بشكل غربيّ.

العُنْصُرِيَّةُ مفهومٌ يقوم على تأكيد مَركزيّةِ الذّاتِ في مقابلِ تَهميشِ الآخرِ والاعتقادِ بدُونيّتِه، وتُعدُّ العُنْصُرِيَّةُ الغربيَّة -التي آمنَ بها الغربيُّ الأبيضُ بسيادةِ ونقاءِ عِرقِه- الأداةَ المُثلى لتَبرير الاستعمارِ الغربيِّ واضطهادِ واسترقاقِ الأجناس البشريّةِ الأخرى.

 وبناءً عليه لا بدَّ أن يُترك للسيِّد الأبيضِ زمامُ الأمورِ من سيطرةٍ وهَيمنةٍ وإدارةٍ وتحكُّمٍ بشؤون العالَمِ وشُعوبه. وقد استَخدمت العُنْصُرِيَّةُ الغربيَّةُ الأدبَ والفنَّ والإعلامَ لتَرسيخِ نظرةِ الغربيِّ إلى الآخَرِ بوَصفِها نظرةَ توجُّسٍ وخيفةٍ وشُبهةٍ واتِّهامٍ، وعلى أنَّه من جنسٍ أدنى وفي مرتبةٍ أقلَّ. كما عملَتْ على تكريسِ فكرة سيادة الرَّجلِ الأبيضِ القادر وحدَه على الإبداعِ، والابتكار، وصناعة المَدنيَّةِ والحضارة. وإذا كانَت العُنْصُرِيَّةُ الغربيَّةُ قد نجحَت في مجال الأدب في تقديم الرِّوايةِ العُنْصُرِيَّةِ ذائعةِ الصِّيتِ، فإنَّها في مجال الفنِّ قد نجحَت في تجسيد العُنصريّةِ من خلال اللَّوحةِ، والبُورتريه، والتِّمثالِ، والفيلم. كذلك استَخدمت وسائلَ الإعلامِ المَرئيّةَ والمَقروءةَ وسخَّرَتها لخدمةِ أهدافِها العُنْصُرِيَّة.

تناقشُ هذه المقالةُ تأثيرَ الذَّكاء الاصطناعيِّ في ترسيخ العُنصريّة الغربيّة تجاهَ الثَّقافات والمُجتمعات الأخرى، حيث يَبرُزُ الذَّكاءُ الاصطناعيُّ كأداةٍ تقنيّة قادرة على تحقيق تغييراتٍ جذريّةٍ في مختلف المجالات.

 ومع ذلك، فإنَّ الأنظمةَ الذَّكيّة قد تَعكس تحيُّزاتٍ اجتماعيةً وتاريخيةً مُتجذِّرةً في البيانات التي تُستخدم لتَدريبها، وهذا يُؤدِّي إلى تعزيز الأنماط المجتمعية السَّلبيّة. تُحلِّلُ المقالةُ العلاقةَ بين الذَّكاء الاصطناعيِّ والانحياز البشريِّ، وتأثيرَ هذا التَّداخُلِ على فُرصِ العمل، والتَّعليم، والتَّفاعل الاجتماعيِّ. كما تُسلِّطُ الضَّوءَ على مخاطر تطبيقات الذَّكاء الاصطناعيِّ، مثلِ التعرُّف على الوَجه والإعلانات الرَّقميّة في تكريس الصُّوَرِ النَّمطيّة. بناءً على ذلك، تُطرَح توصياتٌ لتطوير خوارزميّاتٍ عادلةٍ وتَحليل التأثيراتِ الاجتماعيّة، مع التَّركيز على تَنويع فِرَقِ التَّطوير واعتمادِ سياسات تنظيميّةٍ صارمة. يَهدف المقالُ إلى زيادة الوَعي بضَرورة تَصميمِ أنظمةِ ذكاءٍ اصطناعيٍّ تُعزِّزُ العدالة الاجتماعيّةَ بدلًا من تَعزيز الانقساماتِ.

يَرصد هذا البحثُ الإحصائيُّ التَّمييزَ العُنصريَّ ضدَّ الأقلِّيّات، لا سيَّما المُسلمينَ والأفارقة والآسيويِّينَ واللاتينيِّينَ في الولايات المتّحدة الأميركيّة وعدّةِ دولٍ أوروبيّةٍ، وهي: فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

 وتبيَّن بحسب الدِّراساتِ والتَّقاريرِ والأبحاثِ الإحصائيّةِ، التي جَرى الاطِّلاعُ عليها، أنَّ ظاهرةَ العُنصريّةِ تتَّخِذُ مَسارًا تَصاعُديًّا في الدُّولِ المَذكورةِ لأسبابٍ سياسيّةٍ ودينيّة. كما يُمكِنُ القولُ إنَّ العُنصريّةَ ليست أسلوبًا عفويًّا يَتَّبِعُه بعضُ الأشخاص المتطرِّفين، بل هو سياسةٌ مُمنهجةٌ ومُعتمَدةٌ في مفاصل الدَّولة، بدليل التَّمييزِ في التَّعليم والصِّحة والحقِّ في العَمل ومعدّلاتِ البطالةِ ومُستوياتِ الدَّخلِ والسَّكن، بحسب ما يُظهِرُه البحثُ بالأرقام. وتَجدرُ الإشارةُ إلى أنَّه بالنَّظر للضُّغوط التي يتعرَّضُ لها الأفرادُ، الذين يَقعون ضحيّةَ العُنصريّةِ، غالبًا ما يَنعكس على صِحّتِهم النَّفسيّةِ، ويُدخِلُهم في دوّامةٍ من الصِّراع مع الذّات.

يتطرَّق هذا البحثُ إلى دراسة أُسس التَّمييزِ العُنصريِّ، وعرضِ الرُّؤيةِ القرآنيّةِ النّاقدةِ والمُفنِّدةِ لهذه الأُسس.

 فمِن أُسس التَّمييزِ العُنصريِّ الأهمِّ الاستعلاءُ في اتِّخاذ لونِ البشرةِ أو اللُّغةِ أو الثَّروةِ أو كثرةِ الأولادِ أو السُّلطةِ أو الدِّينِ أو المَنطقةِ الجغرافيّةِ مِعيارًا لهذا التَّمييز. وفي هذا المقالِ تُحلَّل كلُّ هذه العواملِ بالتَّفصيل، فضلًا عن النَّقد والتَّفنيد. كذلك وتَرِدُ في هذا البحثِ انتقاداتٌ مُستندةٌ إلى الآيات القرآنيّةِ لأُسَّينِ آخَرَينِ هما التَّمييزُ والتكبُّر، وهُما من العوامل الرَّئيسةِ في التَّمييز العُنصريّ. 

في ظلِّ هذا الإنصاتِ العميقِ للفلسفاتِ الغربيّةِ، لم يكنْ روجيه غارودي مجرَّدَ قارئٍ وشارحٍ للمَسالك المَنهجيّةِ والمَعرفيّةِ، بل انخرطَ في عمليّةِ النَّقدِ والكشفِ المَعرفيِّ والواقعيِّ، مُتحدِّيًا النُّصوصَ البنيويّةَ،

 وما حاولَت إدراجَه في سياق تفعيلِ النَّظريّةِ البنيوية من النَّمطِ الألسنيِّ والتاريخيِّ إلى أسلوب حياةٍ اجتماعيِّ. ولم يكنْ اعتراضُ غارودي مجرَّدَ مُرافعةٍ عن الواقعيّة، بل التزمَ بالردِّ المَنهجيِّ والصَّرامةِ العلميّةِ، وتشبيعِ فضولِ الذّاتِ الفلسفيّةِ والضَّميرِ البَحثيِّ.

وفضلًا عن مُكتسباتِه المَعرفيّةِ الواسعةِ، يَتبدَّى لنا حرصُه على استعمال آليّةِ النَّقدِ ضدَّ البنيويّةِ بشكل مَنهجيٍّ مُنضبطٍ، يُبيِّنُ من خلالِه الفَرضيّةَ والطَّرحَ والمِثالَ، ومُوجِّهًا للأسئلةِ الجَوهريّةِ، ثم ناقدًا مُستمرًّا للفكرة من جزئها إلى كلِّها. وحيث يَرصد غارودي إخفاقاتِ البنيويّةِ على المستوى النَّظريِّ، كما الواقعيِّ، فإنَّه حاولَ أيضًا الردَّ على مُتزعِّمي هذا التَّيارِ، مع تَحديد أعطالِه الفِكريّةِ وإعطابِ النَّظريّةِ، ما دفعَه لإبطال جودةِ النَّظريةِ البنيويّةِ في كلِّ المَجالاتِ التي حاولَ مُنظِّروها إثباتَ إمكانيّةِ مُمارستِها حَيويًّا كعَرضٍ قابل للتَّطبيق والتَّعميم، فالذي أتى عليه غارودي أنَّه شغَّلَ الآلةَ النَّقديّةَ ضدَّ مكامنِ مراس النَّظريةِ البنيويّةِ، ما مَنحَه سلطةَ الحُكمِ عليها بأنَّها نظريّةُ مَوتِ الإنسانِ.

يُعَدُّ التحيُّز الغربيُّ في معالجة القضايا القِيَميّةِ ظاهرةً بارزة، تَتجلَّى في ازدواجيّة المَعاييرِ التي تُطبَّقُ على مختلفِ الشُّعوب والثَّقافات.

 هذا التحيُّز أشار إليه المفكِّرُ نعوم تشومسكي في معظمِ مُؤلَّفاتِه، حيثُ انتقدَ السياساتِ الغربيّةَ لعدم اتِّساقها معَ المَبادئ التي تدَّعيها؛ كما لفتَ إليه موران في بعض مؤلَّفاته، فبيَّنَ أنَّ الغربَ يُعاني من أزمة في الفَهمِ والتَّعامل مع التَّعقيدات العالميّة، تقودُه إلى تطبيق معاييرَ مزدوجة في سياساته.

في هذا السِّياق، يأتي كتاب "العنصرية" لفرنسوا دي فونتيت، الذي يُقدِّم نفسَه كتحليل موضوعي لظاهرةِ العُنصرية. ومع ذلك، يُلاحِظ القارئُ أنَّ الكاتبَ قد وقع في فخِّ ازدواجيّةِ المَعايير التي انتقدَها كلٌّ من تشومسكي وموران، فعلى الرَّغم من محاولته تقديمَ طرح حياديٍّ، إلا أن تحليلَه تأثَّر بالتحيُّزات الثقافية والسياسيّة السّائدة في الغرب.

مُنذُ وُجِد الإنسانُ والظُّلمُ يُطارِدُه في مناكبِ الأرضِ وشِعابِها، ولعلَّ أصعبَ أنواعِ الظُّلمِ أنْ يَجدَ المرءُ إخوةً له في الإنسانيّةِ يَجتهدونَ في إذلالِه واستعبادِهِ، غيرَ عابئينَ بأنَّه مثلهُم يحملُ روحًا توّاقةً إلى العَدلِ، وقلبًا خَفّاقًا بالمشاعرِ، وتَطلُّعًا عاشِقًا للجمالِ الكامنِ في الموجودات، والأنوارِ المُنبعثةِ من وراءِ الحُجُبِ، التي تُخبِرُه أنَّ اللهَ يَسمَعُ ويَرى.

أولا الكلام:  العُنصريّة والإرثُ "الحضاريُّ" للغَرب

رئيس التحرير

د. محمد محمود مرتضى

مُنذُ وُجِد الإنسانُ والظُّلمُ يُطارِدُه في مناكبِ الأرضِ وشِعابِها، ولعلَّ أصعبَ أنواعِ الظُّلمِ أنْ يَجدَ المرءُ إخوةً له في الإنسانيّةِ يَجتهدونَ في إذلالِه واستعبادِهِ، غيرَ عابئينَ بأنَّه مثلهُم يحملُ روحًا توّاقةً إلى العَدلِ، وقلبًا خَفّاقًا بالمشاعرِ، وتَطلُّعًا عاشِقًا للجمالِ الكامنِ في الموجودات، والأنوارِ المُنبعثةِ من وراءِ الحُجُبِ، التي تُخبِرُه أنَّ اللهَ يَسمَعُ ويَرى.

لقد عانى الإنسانُ القديمُ والحديث من آفةِ العُنصريّةِ، التي حملَ لَهيبَها أباطرةٌ وملوكٌ وأُمم، وتزعَّمها في عصرنا الحاضِرِ الغَربُ، فراحَ يُخفي خَلفَها تَناقُضاتِهِ وسُقوطَه الأخلاقيَّ، ويتَّخِذُها سِلاحًا في وجهِ الضُّعفاء من الشُّعوبِ والأفرادِ.

ومع أنَّ الغربَ يَسعى إلى تَقديمِ نفسِه على أنَّه مَهدُ الدِّيمقراطيّةِ، والمُدافِعُ الأوَّلُ عن الحرِّياتِ وحقوقِ الإنسانِ، إلا أنَّ العُنصرِّيةَ لا تزالُ واقعًا يوميًّا يَعيشُه الملايينُ من الأقليّاتِ العِرقيّةِ والمُهاجرينَ داخلَ المُجتمعاتِ الغَربيّة. فمنذُ إلغاءِ العبوديّةِ رسميًّا، مُرورًا بحركات الحقوقِ المَدنيّةِ، وُصولًا إلى ما بعدَ الحَداثةِ، لم تَستطِعِ المُجتمعاتُ الغربيّةُ التخلُّصَ من إرثها العُنصريِّ، وإنَّما أعادَت إنتاجَه بطُرقٍ أكثرَ تَعقيدًا وأقلَّ وُضوحًا، ليَظهَرَ السُّؤالُ الأكثرُ إلحاحًا اليومَ وهو: لماذا لا تزالُ العُنصريّةُ مُتجذِّرةً في المُجتمعات الغَربيّة رغمَ كلِّ الشِّعاراتِ التي ترفَعُها حولَ المُساواة والتعدُّدِيّة؟

يَدَّعي الخطابُ الغربيُّ أنَّ العُنصريّةَ مُجرَّدُ سُلوكيّاتٍ فَرديّةٍ نابعةٍ من التعصُّبِ الشَّخصيِّ، وأنَّه يُمكِنُ القضاءُ عليها من خلال "التَّسامُح" و"التَّعليم" و"القوانين المُناهِضةِ للتَّمييزِ". لكنَّ الواقعَ يكشفُ أنَّ العُنصريّةَ هي جزءٌ من نظامٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ وسياسيٍّ أوسعَ، يَعمل على إدامة الفَوارقِ العِرقيّةِ عبرَ قوانينَ غيرِ مباشرة، ومُؤسَّساتٍ تَمييزيّةٍ، وإعلامٍ مُوجَّهٍ يُعيد إنتاجَ الصُّورِ النَّمطيّة.

وهذا ما يُؤكِّدُه المُفكِّرُ الأمريكيُّ كورني ويست بقوله: "العُنصريّةُ هي بنيةٌ اقتصاديّةٌ وسياسيّةٌ تُستخدَم للحِفاظِ على امتيازاتِ فئةٍ على حساب أُخرى".[1]

وبالفِعل، حينَ ننظرُ إلى مُؤشِّراتِ الفَقر، والتَّعليم، وسوقِ العَمل، والنِّظامِ القَضائيِّ، والعُنفِ الشُّرطيِّ، والتَّمثيلِ السِّياسيِّ، نجدُ أنَّ الأقليّاتِ العِرقيّةَ—وخاصّةً السُّود، والمُسلمينَ، والمُهاجرينَ من أصولٍ غيرِ أوروبيّةٍ—لا تزالُ تُعاني من تَمييزٍ مَنهجيٍّ يَجعلُها في أسفل الهَرمِ الاجتماعيِّ، رغم الادِّعاءاتِ بالمُساواةِ القانونيّة.

مِنْ شِعاراتِ حقوقِ الإنسان إلى واقع التَّمييز

من المُفارَقاتِ الصّارخةِ أنَّ الغَربَ، الذي يَنتقد العُنصريّةَ في العالَمِ الثالثِ، ويتدخَّلُ في سياسات الدُّولِ الأخرى، تحتَ ذريعةِ الدِّفاعِ عن الحرِّياتِ، لا يَزال يُعاني داخليًّا من أشكال مُختلفةٍ من التَّمييزِ العِرقيِّ. فالولاياتُ المتَّحدة، التي تُقدِّمُ نفسَها كـ"نموذج عالميٍّ لحقوق الإنسان"، لا تزالُ تَشهد مُعدَّلاتٍ عاليةً من العُنفِ الشُّرطيِّ ضدَّ السُّودِ، وعدمِ المُساواة في العَدالة الجِنائيّةِ، والفَجوةِ الاقتصاديّةِ بينَ الأعراقِ. أمّا في أوروبا، فالسِّياساتُ المُعاديةُ للمُهاجرينَ والإسلاموفوبيا المُتزايدةُ، والتَّمييزُ في سوق العَمل والإسكانِ، وتَنامي الأحزابِ اليَمينيّةِ المُتطرِّفةِ، تَعكِسُ نِفاقًا سياسيًّا واضحًا بين الخطابِ والمُمارسة.

"فالغَربُ يُواصِلُ تَقديمَ نفسِه كحاملٍ للحَداثةِ والتقدُّمِ، لكنَّه في الوقت ذاتِه يُعيدُ إنتاجَ عُنصريّتِه بطُرقٍ أكثرَ تَعقيدًا، سواء من خلال سياساتِ الدَّولةِ أو عبرَ الخطابِ الإعلاميِّ والثَّقافي".[2]

هذا ويُحاوِلُ بعضُ المُفكِّرينَ الغَربيِّينَ تَبريرَ العُنصريّةِ باعتبارِها حالةً فرديّةً، وليسَت جُزءًا من النِّظامِ السِّياسيِّ والاقتصاديّ. لكنَّ الوقائعَ تُشير إلى أنَّ التَّمييزَ العُنصريَّ في الغرب عبارةٌ عن منظومةٍ مُتكاملةٍ تُعيد إنتاجَ الامتيازاتِ لصالحِ الفئاتِ البَيضاءِ، وتُحافِظُ على إقصاءِ الأقليّاتِ العرقيّة.

لكنْ، لماذا لا تَزال الأحياءُ ذاتُ الأغلبيّةِ السَّوداءِ واللاتينيّةِ في أمريكا تُعاني من الفَقر، وتَدنِّي مُستوى التَّعليمِ، وارتفاعِ مُعدَّلاتِ البَطالة؟

ولماذا يتعرَّضُ السُّودُ والمُهاجرونَ لتَوقيفاتٍ عَشوائيّةٍ من قِبَلِ الشُّرطةِ أكثرَ من غيرِهم؟

ولماذا نجدُ أنَّ التَّمثيلَ السِّياسيَّ والاقتصاديَّ للأقليّاتِ العِرقيّةِ ضَئيلٌ جدًّا في الحكوماتِ والشَّركاتِ الكُبرى؟

يُشير المُؤرِّخُ إدواردو بونيا-سيلفا إلى أنَّ "العُنصريّةَ المُعاصِرةَ أصبحَت تَعمل عبرَ آليّاتٍ خَفيّةٍ، تَجعل التَّمييزَ يَبدو وكأنَّه نتيجةٌ طبيعيّةٌ لاختلافِ القُدراتِ الفَرديّة، على حين هو في الحَقيقةِ نتيجةُ بنيةٍ مُمنهَجة".[3]

نحو قراءةٍ أكثرَ عُمقًا للعُنصريّةِ الغَربيّة

إنَّ العُنصريّةَ ليسَت ظاهرةً جديدةً في الغَرب، بل هي امتدادٌ تاريخيٌّ لمَنظومةٍ استعماريّةٍ قائمةٍ على استغلالِ الأعراقِ الأُخرى. فالغَربُ، الذي بَنى ثَروتَه على العُبوديّةِ، والاستعمارِ، ونَهبِ المَواردِ، والتفوُّقِ الأبيضِ، لم يتخلَ عن إرثِه العُنصريِّ، وإنَّما أعادَ إنتاجَه بطُرقٍ أكثرَ حَداثةً ومُؤسَّسية.

ذلك أنَّ "الاستعمارَ كان إعادةَ إنتاجٍ للعُنصريّةِ كأداةٍ للسَّيطرةِ على الشُّعوبِ، وحتّى بعدَ نهايةِ الاستعمارِ المُباشرِ، استمرَّتِ البنيةُ العُنصريّةُ في المُجتمعاتِ الغَربيّةِ بطُرقٍ جَديدة".[4]

إنَّ فهمَ العُنصريّةِ في الغَربِ اليومَ لا يُمكِنُ أن يتمَّ بمَعزلٍ عن جذورها التّاريخيّةِ. فالعُنصريّةُ تَمتدُّ إلى قرونٍ من الاستعمارِ والعبوديّةِ والتفوُّقِ العِرقيِّ الذي شكَّلَ البنيةَ الثَّقافيّةَ والاقتصاديّةَ والسِّياسيّةَ للمُجتمعاتِ الغَربيّة. فمُنذُ بدايةِ التوسُّعِ الأوروبيِّ في القرن الخامسَ عشرَ، وحتّى نهايةِ القرنِ العِشرينَ، اعتمدَ الغربُ على إقصاء الآخَرِ واستغلالِه بوَصفِه inferior (أدنى مَنزلةً) كجُزءٍ من مَشروعِه الإمبرياليِّ.

بدأتِ العُبوديّةُ العابرةُ للأطلسيِّ كأحدِ المَحاورِ المَركزيّةِ في بناء الاقتصادِ الغربيِّ. فمُنذُ القرنِ السّادسَ عشرَ، تمَّ اختطافُ ملايينِ الأفارقةِ وبَيعُهم كعَبيدٍ في أوروبّا والأمريكيَّتَينِ، حيثُ تمَّ اعتبارُهم أدواتِ إنتاجٍ لا أكثرَ. هذه العُبوديّةُ كانَت جزءًا من نظام أيديولوجيٍّ يُشرِّعُ استعبادَ الأعراقِ غيرِ الأوروبيّةِ باسم "تفوُّقِ العِرقِ الأبيض".

ولم يكنْ هذا التَّمييزُ مُقتصِرًا على العُبوديّةِ، بل امتدَّ إلى الاستعمار الأوروبيِّ الذي احتلَّ معظمَ دولِ إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مُستغِلًا شعوبَها كمصادرَ للموادِ الخامِ والقُوى العاملةِ. وقد اعتمدَ الاستعمارُ على تَبريراتٍ عُنصريّةٍ تقول إنَّ الشُّعوبَ غيرَ الأوروبية "مُتخلِّفةٌ" وتَحتاج إلى "تَمدينٍ"، وهو ما سُمِّي بـ"عِبءِ الرَّجلِ الأبيضِ" الذي استخدمتْه الإمبراطورياتُ الأوروبيّةُ لتَبرير نَهبِها للثَّرواتِ وإخضاعِ الشُّعوب.

لم يكنِ التَّمييزُ العنصريُّ في الغربِ مُجرَّدَ مُمارسةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ، بل تمَّتْ شرعنتُه أيضًا من خلال العُلومِ والفلسفةِ. ففي القرن التاسعَ عشرَ، ظهرَت نظريّاتٌ عنصريّةٌ علميّةٌ تدَّعي أنَّ بعضَ الأعراقِ مُتفوِّقةٌ بطبيعتِها، في مقابلِ أعراقٍ أخرى "أدنى مَنزلةً" على المُستوى البيولوجيّ.

في عام 1853، نشرَ جوزيف غوبينو كتابَه "مقال عن عَدمِ المُساواةِ بينَ الأجناسِ البَشريّة"، زعمَ فيه أنَّ العِرقَ الأبيضَ هو الأعلى ذكاءً والأكثرَ قُدرةً على القِيادة، ووصفَ الأعراقَ الأخرى بأنَّها أقلُّ تطوُّرًا.

وفي عام 1871، نشرَ تشارلز داروين كتابَ "نشوء الإنسانِ والانتقاء الجِنسيّ"، فاستغلَّ بعضُ علماءِ الأحياءِ أفكارَه لتَبريرِ فكرةِ "البقاء للأقوى" بوصفِها مُبرِّرًا للاستعمار.

وظهرتِ الحركةُ العِلميّةُ لتَحسينِ النَّسلِ (Eugenics) التي سعَت إلى تقليل نسلِ الأعراقِ غيرِ البَيضاءِ، باعتبارِها "غيرَ مُلائمة"، وهي الأفكارُ التي تبنّاها النّازيُّونَ لاحقًا.

فالعِلمُ " ... كان أداةً لإضفاء الشَّرعيّةِ على التفوُّقِ العِرقيِّ الأوروبيِّ، وهذا ما ساعدَ على ترسيخ سياساتِ الإقصاءِ والاستعباد".[5]

مع انتهاءِ الاستعمارِ المباشرِ، لم تتوقَّفْ العُنصريّةُ، وإنَّما أُعيدَ إنتاجُها في شكل قوانينَ تُكرِّسُ التَّمييزَ العِرقيَّ، من أبرزِها:

-     نظامُ الفصلِ العُنصريِّ (الأبارتايد) في جنوب إفريقيا (1948-1994)، الذي تمَّ بموجبِه منعُ السُّكانِ السُّودِ من حقوقِهم الأساسيّةِ، وفرضُ قيودٍ على تحرُّكاتِهم وعملِهم.

-     قوانينُ جيم كرو في الولايات المتَّحدة (1877-1965)، التي فرضَت فصلًا عُنصريًّا في المَدارس، والمُواصلات، والمَرافقِ العامّةِ، وحصرَت السُّود في وظائفَ مُنخفِضةِ الأجرِ.

-     السِّياساتُ التَّمييزيّةُ في أوروبا تجاهَ المُهاجرينَ، مثل قوانينِ الهِجرةِ في فرنسا وبريطانيا، التي حَدَّت من فُرصِ اللّاجئينَ والأقليّاتِ في الحُصولِ على حقوقٍ مُتساوية.

-     العُنصريّةُ في الكيان الصهيونيّ، ومُحاولاتُ تَهجيرِ الفلسطينيِّينَ من أرضهم، وحروبُ الإبادة التي تُشَنُّ عليهم.

في ستينيّاتِ القرنِ العِشرينَ، شهدَ العالَمُ صعودَ حركاتِ الحُقوقِ المَدنيّةِ، التي قادَتها شخصيّاتٌ مثل مارتن لوثر كينغ، ومالكوم إكس، ونيلسون مانديلا، وطالبَتْ بإنهاء التَّمييزِ العُنصريِّ وإعطاءِ الأقليّاتِ حقوقَها السِّياسيّةَ والاجتماعيّة. وبالفِعل، تمَّ إلغاءُ كثيرٍ من القوانين العُنصريّةِ، لكنَّ ذلكَ لم يَعنِ انتهاءَ العُنصريّةِ، بل تحوَّلَت من كونِها ظاهرةً قانونيّةً إلى كونِها بنيةً ثقافيّةً واقتصاديّةً خَفِيّةً.

فلا تزالُ الأقليّاتُ العِرقيّةُ في الغربِ تُعاني من فَجوةٍ اقتصاديّةٍ كبيرةٍ مُقارنةٍ بالبيضِ، وتُشيرُ الإحصاءاتُ إلى أنَّ السُّودَ واللاتينيِّينَ يَحصلونَ على رواتبَ أقلَّ بنسبة 20-30% مُقارنةً بنُظرائِهم البيضِ الذينَ يعملونَ في نفس الوظائفِ.[6]

ولا تزالُ الشُّرطةُ الغَربيّةُ تُمارِسُ العُنفَ المُفرِطَ ضدَّ السُّودِ والمُهاجرينَ، كما ظهرَ بوضوحٍ في قضيّةِ جورج فلويد (2020)، التي أثارتِ احتجاجاتٍ عالميّةً ضدَّ وَحشيّةِ الشُّرطة.

ولا يَزال الإعلامُ الغربيُّ يُعزِّزُ الصُّورَ النَّمطيّةَ عن المسلمينَ والأفارقةِ والمُهاجرينَ، التي تُرسِّخُ التَّصوُّراتِ السَّلبيّةَ تجاهَ هذه الفِئاتِ.

العُنصريّة المُؤسَّسيّة كجزء من النِّظام

يعمَلُ الغربُ في الظّاهرِ على التَّرويجِ، في خطاباتِه، لفكرة أنَّ العُنصريّةَ باتَت جُزءًا من الماضي، إلا أنَّ الواقعَ يُشيرُ إلى أنَّ التَّمييزَ العِرقيَّ لا يَزالُ مُتجذِّرًا في مُؤسَّساتِ الدَّولةِ والسِّياساتِ الاقتصاديّةِ والاجتماعيّة. لقد أصبحَت عُنصريّةً غيرَ مَرئيّةٍ، لكنَّها مُؤثَّرةٌ بشكلٍ عَميقٍ في حياة الأقليّاتِ. وهذا ما يُعرف اليومَ بـالعُنصريّةِ المُؤسَّسيّة  (Institutional Racism)، التي تعملُ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ للحفاظ على الامتيازات التّاريخيّةِ لفئةٍ على حساب فئةٍ أُخرى.

تُسهِم القوانينُ والسِّياساتُ الحكوميّةُ في الغربِ في إدامةِ التَّمييزِ العِرقيِّ من خلال إجراءاتٍ تَبدو على السَّطحِ مُحايدةً، لكنَّها في جوهرِها تُكرِّسُ الفَجوةَ بينَ الأعراقِ. ومن أبرزِ هذه السِّياساتِ:

-     التَّمييزُ في الإسكانِ: كثيرٌ من المُدنِ الغَربيّةِ تَعتمِدُ نظامًا غيرَ مُعلَنٍ لفَصلِ الأحياءِ على أسُسٍ عِرقيّةٍ، بحيثُ تَبقى مُجتمعاتُ السُّودِ والمُهاجرينَ مَحصورةً في أحياءٍ فَقيرةٍ ذاتِ خَدماتٍ سيِّئةٍ، وهذا الأمرُ يُعزِّزُ العُزلةَ الاجتماعيّةَ والاقتصاديّة.

-     الفَجوةُ في التَّعليم: تُشير الدِّراساتُ إلى أنَّ المدارسَ في الأحياء الفقيرةِ، التي يَسكنُها غالبًا السُّودُ والمُهاجرونَ، تَحصلُ على تمويل أقلَّ وفُرصٍ تَعليميّةٍ أضعفَ مُقارَنةً بالمدارسِ في المَناطقِ ذاتِ الأغلبيّةِ البَيضاء.[7]

-     التَّفاوُتُ في فُرصِ العَمل: تُظهِرُ الإحصائيّاتُ أنَّ الأقليّاتِ تُواجِهُ مُعدَّلاتِ بطالةٍ أعلى، وتَتقاضى أجورًا أقلَّ، وتَحظى بفُرصٍ أضعفَ للتَّرقيّةِ مُقارنةً بالبيضِ، حتى عندَ تَساوي المُؤهِّلاتِ والخبراتِ.[8]

-     تلعبُ الأنظمةُ القَضائيّةُ دورًا محوريًّا في تكريس العُنصريّةِ المُؤسَّسيّةِ، حيثُ يتمُّ تَطبيقُ القوانينِ بشكلٍ غيرِ مُتكافِئٍ على أساسِ العِرقِ. ومن أبرزِ الأمثلةِ على ذلك:

-     التَّمييزُ في الأحكام القَضائيّةِ: تُشيرُ الدِّراساتُ إلى أنَّ السُّودَ واللاتينيِّينَ، في الولايات المتَّحدة، يَحصلونَ على أحكامٍ أشدَّ قسوةً من نُظرائِهم البيضِ عندَ ارتكابِهم نفسَ الجَرائمِ .[9]

-     الاستهدافُ الأمنيُّ للأقليّاتِ: تُواجِهُ مُجتمعاتُ السُّودِ والمُسلمينَ والمُهاجرينَ مُعدَّلاتٍ أعلى من التَّوقيفِ والتَّفتيشِ العَشوائيِّ مُقارنةً بالمُواطنينَ البيضِ، حتّى في الدُّولِ الأوروبيّةِ التي تدَّعي مُحاربةَ التَّمييزِ العُنصريّ.[10]

-     السَّجْنُ الجماعيُّ للأقليّاتِ: يُواجِهُ السُّودُ في الولايات المتَّحدةِ مُعدَّلاتِ سَجْنٍ تَفوقُ البيضَ بخمسةِ أضعافٍ، ممّا جعلَ بعضَ المُفكِّرينَ يَصفونَ النِّظامَ القَضائيَّ الأمريكيَّ بأنَّه "استمرارٌ لقوانينِ الفَصلِ العُنصريِّ بطُرقٍ حَديثة.[11]

الإعلامُ وصناعة الصُّورة النَّمطيّة: كيف يتمُّ تَرسيخُ العُنصريّةِ في الثَّقافة الغَربيّة؟

يلعبُ الإعلامُ دورًا رئيسيًّا في إعادة إنتاجِ الصُّورِ النَّمطيّةِ عن الأقليّاتِ العِرقيّة، التي تُعزِّزُ المُمارَساتِ العُنصريّةَ المُؤسَّسيّة. فمِن خلال الأفلامِ، والبرامجِ التلفزيونيّة، والتَّغطياتِ الإخباريّةِ، يتمُّ تَصويرُ المُهاجرينَ والسُّودِ والمُسلمينَ على أنَّهم تَهديدٌ دائمٌ للمُجتمعاتِ الغربيّة، وهذا السُّلوكُ يَخلُقُ بيئةً تُسهِّلُ استمرارَ التَّمييزِ. "فالإعلامُ الغربيُّ لا يَنقلُ الواقعَ كما هو، بل يُعيدُ إنتاجَ رُؤيةٍ تَخدمُ الطَّبقاتِ الحاكمةَ، حيثُ يُظهِرُ الأقليّاتِ كعالةٍ على المُجتمعِ أو كخطرٍ يَجبُ مُكافحتُه".[12]

الإسلاموفوبيا: وجهٌ جديدٌ للُعنصريّةِ في الغَرب

معَ تصاعُدِ الهِجرةِ إلى أوروبا وأمريكا، وخصوصًا من الدُّول الإسلاميّةِ، أصبحَ الإسلامُ والمُسلمونَ مِحورًا جَديدًا للعُنصريّةِ المُؤسَّسيّةِ والشَّعبيّةِ في الغَرب. لم تَعدِ العُنصريّةُ مُوجَّهةً فقط ضدَّ السُّودِ واللّاتينيِّينَ، بل أصبحَ الإسلاموفوبيا (الخَوفُ المَرضيُّ من الإسلام) أحدَ أبرزِ أشكالِ التَّمييزِ العِرقيِّ والثَّقافيّ. وقد تصاعدَت هذهِ الظّاهرةُ بعدَ أحداث 11 سبتمبر 2001، حيثُ تحوَّلَ الإسلامُ في الخطاب السِّياسيِّ والإعلاميِّ الغربيِّ إلى "عَدوٍّ داخليٍّ" يُهدِّدُ القِيَمَ الدِّيمقراطيّةَ والحَداثةَ الغَربيّة.

لكنَّ السُّؤالَ هو: هل الإسلاموفوبيا مُجرَّدُ كراهيةٍ عَفويّةٍ ضدَّ المُسلمينَ، أم أنَّه جُزءٌ من مشروع سياسيٍّ واقتصاديٍّ أوسعَ؟ وكيفَ يتمُّ تَوظيفُها لخدمةِ أجنداتٍ مُعيَّنةٍ في الغَرب؟

لم تكنِ النَّظرةُ الغربيّةُ السَّلبيّةُ تجاهَ الإسلامِ وليدةَ اللَّحظةِ، بل هي امتدادٌ لقرونٍ من الاستشراق الاستعماريِّ، الذي سَعى إلى تقديم الإسلامِ على أنَّه دينٌ مُتخلِّفٌ، يَتعارضُ مع "الحضارة الغربيّةِ المُتقدِّمة". فمنذُ الحَملاتِ الصَّليبيّةِ، وحتّى الاستعمارِ الأوروبيِّ للعالَمِ الإسلاميِّ، كان الإسلامُ يُصوَّرُ دائمًا على أنَّه دينُ العُنفِ والتعصُّبِ والانغلاقِ.

واليوم، لا تزالُ هذه التصوُّراتُ تعملُ على تبرير السِّياساتِ الغربيّةِ تجاهَ المُسلمينَ، سواء في الدّاخلِ (التَّمييز ضدَّ المُسلمينَ المُهاجرينَ) أم في الخارجِ (الحروب والتدخُّلات العَسكريّة في الدُّول الإسلاميّة).

يتجلَّى الإسلاموفوبيا في الغربِ من خلال القوانينِ والسِّياساتِ الحكوميّةِ التي تضعُ المُسلمينَ في خانة "المُشتبَه بهم" بشكلٍ دائمٍ. ومن أبرزِ هذه السِّياسات:

-     قوانينُ حظرِ الحِجابِ والنِّقاب في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، التي تَفرِضُ قُيودًا على حريّةِ اللِّباسِ الإسلاميِّ تحتَ ذريعةِ "حماية العلمانيّة".

-     القوانينُ المُشدَّدةُ ضدَّ المُهاجرينَ المُسلمينَ، مثل سياساتِ الهِجرةِ في الولايات المتَّحدة التي فرضَها الرئيسُ دونالد ترامب، والتي استهدفَت دُولًا إسلاميّةً بشكلٍ صَريحٍ.

-     المُراقبةُ الجماعيّةُ للمُسلمينَ، حيثُ تقومُ الحكوماتُ الغربيّةُ بالتجسُّسِ على المَساجدِ والمُنظَّماتِ الإسلاميّةِ تحتَ ذريعةِ "مكافحة الإرهاب"، ممّا يُرسِّخُ فكرةَ أنَّ المُسلمَ مُتَّهم حتى يَثبُتَ العَكسُ.[13]

ويَلعبُ الإعلامُ الغربيُّ دورًا محوريًّا في تعزيز الإسلاموفوبيا من خلال تصويرِ المسلمينَ على أنَّهم إرهابيُّونَ مُحتمَلونَ، أو مُتخلِّفونَ، أو غيرُ قادرين على الاندماج في المُجتمعاتِ الحَديثة. وتَشمل هذه الصُّورةُ النَّمطيّةُ العناصرَ التالية:

-     ربطُ الإسلامِ بالإرهابِ: حيثُ يتمُّ التركيزُ على الجرائمِ التي يَرتكِبُها مُسلمونَ، على حين يتمُّ تجاهُلُ جرائمِ المُتطرِّفينَ البيضِ.

-     إظهارُ الحِجابِ كرَمزٍ للقَهرِ: حيثُ تُقدَّمُ النِّساءُ المُسلماتُ على أنَّهنَّ "مُضطهداتٌ"، وبحاجةٍ إلى إنقاذٍ من ظُلمِ "المُجتمعاتِ المُتخلِّفة".

-     التَّرويجُ لنظريّةِ "أسلمة أوروبا": حيثُ يتمُّ التَّلاعُبُ بالإحصائيّاتِ لإظهارِ أنَّ المُسلمينَ يُشكِّلونَ "تَهديدًا ديموغرافيًّا" للحَضارة الغربيّة.

أصبحَ الإسلاموفوبيا أداةً سياسيّةً بيدِ الأحزابِ اليَمينيّةِ المُتطرِّفةِ في أوروبا وأمريكا، التي تستغلُّ الخوفَ من الإسلام لحشدِ التأييدِ الشَّعبيّ، وتقومُ بتقديمِ المُسلمينَ كخطرٍ على الهويّة الوطنيّةِ، ممّا يُبرِّرُ سياساتِ الهِجرةِ الصّارمةِ، واستخدامَ الخطابِ الدِّينيِّ المَسيحيِّ ضدَّ الإسلامِ، كما في خطاب "الحرب على الإرهاب". إضافةً الى تمويل الحَملاتِ المُعاديةِ للإسلام من قِبَلِ مجموعاتِ الضَّغطِ الصهيونيّةِ، التي تَرى في نشرِ العَداءِ للإسلامِ وسيلةً لدَعمِ السِّياساتِ الإسرائيليّةِ ضدَّ الفلسطينيِّينَ.

إذن، الإسلاموفوبيا هو مشروعٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ يَخدم أهدافًا مُحدَّدةً، من بينها تبريرُ التدخُّلاتِ العَسكريّةِ الغربيّةِ في الدُّولِ الإسلاميّة، من خلال تصويرِ المسلمينَ كـ"تهديد عالميّ" يَحتاج إلى مواجهةٍ عسكريّةٍ، وتوجيهِ غضبِ الطَّبقاتِ الفقيرةِ في الغربِ نحوَ "العدوّ الإسلاميّ" بَدلًا من التَّركيزِ على السِّياساتِ الاقتصاديّةِ الظّالمة. إضافةً إلى دعم الاقتصادِ العَسكريِّ، حيثُ يتمُّ استخدامُ "الخطر الإسلاميّ" كمُبرِّرٍ لزيادةِ ميزانياتِ الدِّفاعِ والاستخبارات، دون أن نَنسى تعزيزَ التَّحالُفاتِ السِّياسيةِ معَ الأنظمةِ الدِّيكتاتوريّةِ في الشَّرقِ الأوسَط، من خلال تقديمِها كـ"حُلفاء في الحرب ضدَّ الإرهاب".

ومهما يكنْ من أمرٍ فإذا كان القرنُ العشرونَ قد شهدَ تراجُعًا في الخطاب العُنصريِّ المباشر، فإنَّ القرن الحادي والعشرينَ شهدَ تحوُّلًا في أشكال العُنصريّةِ، بحيثُ أصبحَت أكثرَ ذكاءً، وأكثرَ قدرةً على التكيُّفِ مع المناخِ السِّياسيِّ والاجتماعيِّ الجَديد. لم تعدِ العُنصريّةُ تُعبِّرُ عن نفسِها بصراحةٍ كما كان يَحدث في زمنِ قوانينِ الفَصلِ العُنصريِّ، لكنَّها عادَت من خلال خطاباتِ التفوُّقِ الأبيضِ، وصُعودِ الحَركاتِ الشَّعبويّةِ، والتَّلاعُبِ السِّياسيِّ بالمَخاوفِ الثَّقافيّةِ والاقتصاديّة.

لكنْ، ما الذي أدَّى إلى إعادة إنتاجِ العُنصريّةِ في شكلها الجَديد؟ وكيفَ أصبحَتِ الشَّعبويّةُ اليَمينيّةُ الواجهةَ الجديدةَ للتَّمييزِ العِرقيِّ في الغرب؟

في الماضي، كانتِ العُنصريّةُ في الغربِ تتجلَّى بوضوحٍ في سياساتٍ قانونيّةٍ مباشرة، مثل العُبوديّة، والفَصلِ العُنصريِّ، والاستعمارِ. لكنَّ هذه المُمارساتِ أصبَحتْ مرفوضةً أخلاقيًّا بعد الحرب العالميّةِ الثانية، ومعَ تصاعُدِ خطابِ حقوقِ الإنسانِ والمُساواةِ، وهذا أجبَرَ أنصارَ العُنصريّةِ على تبنِّي أساليبَ جديدةٍ، وأكثرَ مُرونةً للحفاظ على الامتيازاتِ العِرقيّة.

هذا التحوُّلُ جعلَ من المُمكِنِ استمرارَ العُنصريّةِ داخلَ الأنظمةِ الدِّيمقراطيّة، حيث لم يعدْ يُنظر إلى الأقليّاتِ العِرقيّةِ باعتبارِها "أدنى"، بل باعتبارِها "تَهديدًا" للمُجتمع الغربيِّ، سواء من الناحيّةِ الاقتصاديّةِ أو الثَّقافيّةِ أو الأمنيّة.

ومع تصاعُدِ الأزَماتِ الاقتصاديّةِ والهِجراتِ الجَماعيّةِ، وجدَتِ الأحزابُ اليَمينيّةُ المُتطرِّفةُ في أوروبا وأمريكا فرصةً لاستغلال العُنصريّةِ سياسيًّا، من خلال تبنِّي خطاباتٍ قوميّةٍ مُتشدِّدةٍ تدَّعي أنَّها تُدافِعُ عن "الهويّة الوطنيّة" ضدَّ "الغَزوِ الثَّقافيّ" الذي تُمثِّلُه الأقليّاتُ والمُهاجِرونَ.

ويُعتبرُ صُعودُ دونالد ترامب إلى الرِّئاسةِ الأمريكيّة عام 2016 ثم عودتُه عام 2024 نقطةَ تَحوُّلٍ في الخطابِ العُنصريِّ الجديدِ، حيثُ استندَت حملتُه الانتخابيّةُ على تحريضٍ صريحٍ ضدَّ المُهاجرينَ والمُسلمينَ والسُّودِ، مُستخدِمًا شعارات مثل: "أمريكا أولًا"، التي أعادَت إنتاجَ فكرةِ أنَّ "الأمريكيَّ الأبيضَ" هو المُواطنُ الحَقيقيُّ، على حين أنَّ الآخَرينَ مُجرَّدُ "ضيوفٍ غيرِ مُرحَّبٍ بهم".

أوروبا واليَمين المُتطرِّف: عندما أصبحَ الخطابُ العُنصريُّ سياسةً حكوميّة

لم يكنْ ترامب وحدَه مَن أعادَ إحياءَ الخطابِ العُنصريِّ، بل شهدَت أوروبا أيضًا صُعودًا غيرَ مَسبوقٍ لليَمينِ المُتطرِّفِ، حيثُ دخلَت أحزابٌ مثل:

·     حزب التجمُّع الوَطني في فرنسا (مارين لوبان).

·     حزب البَديل لألمانيا (AfD).

·     حزب الحرِّية في النّمسا.

وجميعُ هذه الأحزابِ استخدمَت خطابَ الخَوفِ من المُهاجرينَ والمُسلمينَ لحَشدِ الأصواتِ، وقدَّمَت نفسَها على أنَّها تُدافِعُ عن "القِيَمِ الأوروبيّةِ في مُواجَهةِ الغَزوِ الإسلاميّ".

 هل نحن أمام "فصلٍ عُنصريٍّ ناعم"؟

إذا كان الفصلُ العُنصريُّ في الماضي يَعتمد على القوانينِ الصَّريحةِ للتَّمييزِ، فإنَّ العُنصريّةَ الجديدةَ تَعتمد على سياساتٍ ناعمةٍ تُعيدُ إنتاجَ التَّمييزِ بطُرقٍ خَفِيّةٍ، من خلال الإعلامِ، والسِّياسةِ، والاقتصاد.

لكنَّ السُّؤالَ المَطروحَ هو: هل تَستطيعُ المُجتمعاتُ الغربيّةُ أن تتحرَّرَ من خطاب التفوُّقِ الأبيضِ والشَّعبويّةِ، أم أنَّ هذه النِّزعاتِ ستَظلُّ جُزءًا بنيويًّا من ثقافتِها السِّياسيّة؟

الإجابةُ تَكمُنُ في آلياتِ الخِطابِ التي يتمُّ توظيفُها لتبرير العُنصريّةِ، وإعادةِ إنتاجِها بطُرقٍ أكثرَ نُعومةً وأقلَّ وُضوحًا. فبَدلًا من استخدام المُصطلحاتِ العُنصريّةِ المُباشرة، أصبحَ الخطابُ الغربيُّ يَعتمِدُ على مَفاهيمَ مثلِ "الهويّة الوطنيّة"، و"حماية القِيَم الدِّيمقراطيّة"، و"الأمن القَوميّ"، و"الاندماج الاجتماعيّ"، وهي مُصطلحاتٌ تَبدو بريئةً ظاهريًّا، لكنَّها تُخفي وراءَها مَشروعًا عُنصريًّا .

هل يُمكن الغربَ أن يتحرَّرَ من إرثِه العُنصريّ؟

إنَّ الحديثَ عن العُنصريّةِ في الغربِ هو استكشافٌ لمُعضلةٍ قائمةٍ في الحاضر، تُهدِّدُ المُستقبلَ أيضًا. لقد حاولَتِ المُجتمعاتُ الغربيّةُ أن تُقدِّمَ نفسَها كنَموذجٍ للمُساواةِ والعَدالةِ، لكنَّها في الواقع ما زالَت عالقةً في إرثها الاستعماريِّ، ونظرتها المُتفوِّقةِ إلى الأعراقِ والثَّقافاتِ الأخرى. فحتّى عندَما يَبدو أنَّ القوانينَ تتغيَّرُ، أو أنَّ هناك مُحاولاتٍ لإصلاح الأوضاعِ، فإنَّ العُنصريّةَ تَستمرُّ في إعادة إنتاجِ نفسِها بطُرقٍ أكثرَ تَعقيدًا وأقلَّ وُضوحًا.

لا يُمكِنُ فَهمُ العُنصريّةِ في الغرب بمَعزلٍ عن التّاريخِ الطَّويلِ للعُبوديّةِ والاستعمار، ولا يُمكِنُ إنكارُ دَورِ القُوى الاقتصاديّةِ والسِّياسيّةِ في الإبقاء على الفَجواتِ العِرقيّةِ. فالأمرُ ليس مُجرَّدَ تَحيُّزاتٍ شَخصيّةٍ أو ثقافيّة، بل هو نظامٌ مُتكاملٌ يَخدم مصالحَ مُحدَّدةً، ويَضمنُ استمرارَ الامتيازاتِ لفئةٍ على حساب فئاتٍ أخرى.

لقد كشفَتِ المُمارساتُ كيف أنَّ العُنصريّةَ لم تقتصرْ على الماضي، وإنَّما عادَتِ اليومَ بأشكال جديدةٍ، مَدعومةً بأيديولوجياتِ اليَمينِ الشَّعبويِّ، ومن خلال سياساتٍ حُكوميّةٍ ومُؤسَّساتٍ إعلاميّةٍ واقتصاديّةٍ تُكرِّسُ الفَجوةَ العِرقيّةَ. فسَواءٌ في التَّمييزِ داخلَ سوقِ العَمل، أو في الخطاب الإعلاميِّ الذي يُشيطِنُ المُهاجرينَ والمُسلمينَ، أو في السِّياساتِ الأمنيّةِ التي تَستهدِفُ الأقلِّياتِ، نجدُ أنَّ العُنصريّةَ ليسَت مُجرَّدَ مُشكلةِ سُلوكيّاتٍ فرديةٍ، بل هي إطارٌ هَيكليٌّ يَخترِقُ كلَّ المُستوياتِ الاجتماعيّةِ والسِّياسيّة.

ففي المُجتمعاتِ الغَربيّةِ، هناكَ أصواتٌ تَرتفعُ اليومَ ضدَّ العُنصريّةِ، وهناكَ مُحاولاتٌ إصلاحيّةٌ لخَلقِ بيئةٍ أكثرَ عَدالةً. لكنَّ هذه المُحاولاتِ تظلُّ مَحدودةً، وغالبًا ما تُواجَهُ برُدودِ فِعلٍ عَنيفةٍ من التيّاراتِ اليَمينيّةِ، التي تَرى في أيِّ تَغييرٍ تَهديدًا لهويّتِها.

إنَّ المستقبَلَ سيَحملُ الإجابةَ عن كثيرٍ من الأسئلة، لكنَّ المُؤكَّدَ هو أنَّ العُنصريّةَ لن تَختفي مِن تلقاءِ نفسِها، إذا لم تكنْ هناك إصلاحاتٌ جَذريّةٌ في الفِكر والسِّياسةِ والاقتصادِ والإعلامِ، لأنَّ العُنصريّةَ ستَستمِرُّ في التلوُّنِ بأشكال جَديدةٍ، وستَبقى المُجتمعاتُ الغربيّةُ تَعيشُ في وَهمِ المُساواةِ، بينما تستمرُّ الفَجواتُ العِرقيّةُ في الاتِّساع.

ربَّما يكونُ التحدِّي الأكبرُ اليومَ ليس فقط في محاربة العُنصريّةِ، بل في امتلاكِ الشَّجاعةِ للاعترافِ بحَجمِها الحَقيقيِّ، والاستعدادِ لدَفعِ الثَّمنِ من أجل القَضاء عليها. فبِدونِ ذلك، سيَظلُّ الغربُ يتحدَّثُ عن المُساواة، لكنَّه لن يكونَ قادرًا على تَحقيقِها حقًّا.

وقد احتوى هذا العددُ من "أُمم" جملةً من الأبحاث الهامّةِ، التي سلَّطَتِ الضَّوءَ على عدّةِ مَواضيعَ هامّةٍ ومُتكامِلةٍ، تَناولَتِ العُنصريّةَ كإحدى دعاماتِ المَشروعِ الحضاريِّ الغربيِّ. فعالَجَتِ الجُذورَ الثَّقافيّةَ والفلسفيّةَ للعُنصريّةِ في تاريخ الفكرِ الأوروبيِّ، وابتناءَ الحَضارةِ الأوروبيّةِ على مركزيّةِ الذّاتِ الأوروبيّةِ كمِحورٍ حَصريٍّ للتقدُّمِ والتفوُّقِ. ثمّ عرضَت للعُنصريّةِ في التُّراثَينِ اليَهوديِّ، والصهيونيِّ، من خلال السَّبرِ في النُّصوصِ والرُّؤى المُؤسِّسةِ لهما، والكشفِ عن هذا الاتَّجاهِ المُفرِطِ في القسوةِ والبَطشِ والتحيُّزِ العِرقيِّ والدِّينيِّ والفِكريِّ الذي تكتنِفُه الصّهيونيّةُ واليهوديّةُ في مقابلِ بقيّةٍ البشرِ بمُختلفِ أديانهم ومُعتقداتِهم وأعراقِهم.

وتمَّ أيضًا التعرُّضُ إلى أحدِ المَجالات المُحدَثةِ في الميدانِ التُّكنولوجيِّ، وهو الذَّكاءُ الاصطناعيُّ، ودورُه في تَعزيزِ العُنصريّةِ وخطابِ الكراهيةِ، والتحيُّزِ ضدَّ فئاتٍ عِرقيّةٍ ودينيّةٍ وثقافيّةٍ مُغايرةٍ للدَّوائرِ السِّياسيّةِ والثَّقافيّةِ المُؤثِّرةِ في إدارة كافّةِ مَجالاتِ التُّكنولوجيا المُعاصرة.

وقد تناولَتِ الأبحاثُ كذلك تجلِّياتِ العُنصريّةِ الغربيّةِ في مَجالِ الأدبِ والفنونِ والإعلامِ والسِّينما الغربيّة، التي كانَت ولا تزالُ أداةً مُتفوِّقةً في إبراز الأورومركزيّةِ والاستعلاءِ الغربيِّ بوجهِهِ الأميركيِّ والصّهيونيِّ، وفي المُساهمةِ في التَّطبيعِ الثَّقافيِّ والسِّياسيِّ عبرَ هذه الأداةِ بالغةَ التأثيرِ.

فيما أكَّدَتْ هذه الأبحاثُ على أسبقيّةِ الخطابِ القرآنيِّ في التأسيسِ لخطابٍ مَعرفيٍّ مُتكاملٍ، نابذٍ للعُنصريّةِ والعِرقيّةِ، ويُقدِّمُ عِوَضَ ذلكَ إطارًا إنسانيًّا جامعًا لكافّةِ الاختلافاتِ العِرقيّةِ والدِّينيّةِ والثَّقافيّةِ والمَناطقيّةِ، قائمًا على الأخُوّةِ الإنسانيّةِ والإيمانيّةِ، والعَدالةِ الاجتماعيّةِ المُطلَقةِ بينَ الناس.

وقد عرَّجَتِ المَقالاتُ أيضًا على دراسةٍ إحصائيّةٍ تناولَتِ التَّمييزَ العُنصريَّ ضدَّ الأقليّاتِ، لا سيَّما المسلمينَ والأفارقةِ والآسيويِّينَ واللاتينيِّينَ، في الولاياتِ المتَّحدةِ الأميركيّةِ وعِدّةِ دُولٍ أوروبيّة كـفرنسا وألمانيا وبريطانيا، حيثُ تُظهر الإحصاءاتُ أنَّ العنصريّةَ تتَّخِذُ مَسارًا تصاعُديًّا في الدُّولِ المَذكورةِ لأسبابٍ سياسيّةٍ ودينيّةٍ، وأنَّها سياسةٌ مُمنهجةٌ ومُعتمَدةٌ في مفاصلِ الدَّولة.

إنَّنا إذ نُقدِّمُ هذا العددَ للقُرّاءِ الكِرامِ، فإنَّنا نأملُ أن يَنالَ الاستحسانَ والقَبولَ عندَهم، وقبلَ ذلك وبعدَه، أن يَنالَ القَبولَ عندَ اللهِ سبحانه وتعالى، كعَملٍ نَضعُهُ في سياق جهادِ التَّبيينِ.

والحمدُ لله أوَّلًا وآخِرًا.


[1] West, Cornel. Race Matters. Vintage Books, 1994, p. 3.

[2] Goldberg, David Theo. The Racial State. Blackwell Publishers, 2002, p. 6.

[3] Bonilla-Silva, Eduardo. Racism Without Racists: Color-Blind Racism and the Persistence of Racial Inequality in America. Rowman & Littlefield, 2017, p. 27.

[4] Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks. Grove Press, 2008, p.69.

[5] Gould, Stephen Jay. The Mismeasure of Man. W. W. Norton & Company, 1981, p. 54.

[6] U.S. Bureau of Labor Statistics, 2021.

[7] Alexander, Michelle. The New Jim Crow: Mass Incarceration in the Age of Colorblindness. The New Press, 2010, p.78.

[8] U.S. Equal Employment Opportunity Commission, 2021.

[9] Tonry, Michael. Malign Neglect: Race, Crime, and Punishment in America. Oxford University Press, 1995, p.113.

[10] European Network Against Racism, 2020.

[11] Alexander, The New Jim Crow: Mass Incarceration in the Age of Colour-blindness, p. 123.

[12] Chomsky, Noam. Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media. Pantheon Books, 1988, p. 89.

[13] Kundnani, Arun. The Muslims Are Coming! Islamophobia, Extremism, and the Domestic War on Terror. Verso Books, 2014, p.47.

التعليقات


messages.copyright © 2023, امم للدراسات الانسانية والاجتماعية