أوّل الكلام: أميركا: إمبراطوريّة الكذب والعدوان
رئيس التحرير
د. محمّد محمود مرتضى[1]
يحتوي فعلُ "الوجود" عند الإنسان، على مفارقةٍ تاريخيّةٍ وفلسفيّةٍ قديمةٍ، وهي مفارقةُ ضرورةِ وأهميّة الاجتماع البشريّ كحاجةٍ حيويّةٍ له لبقائه وديمومة وجوده، ومن جهة أخرى تحتوي هذه المفارقة على عنصر المزاحمةِ والصّراع، الّذي يولّده وجود الآخر في الحيّز الزّمانيّ والمكانيّ نفسه. لقد أدّت هذه المفارقة المزدوجة إلى نشوء تصوّرات فلسفيّة متعدّدة لحلّ هذا الاشتباك المعقّد، وإيجادِ نسقٍ يستطيع أن يقدّم مسارًا يتعايش فيه البشر مع كلّ الاختلافات الثّقافيّة والعرقيّة والحضاريّة. إنّ المدارس النّظريّة الصّراعيّة ومذاهب القوّة، تتفّق على أنّ خصائصَ ثقافيّة أو عرقيّة أو حضاريّة ما، تعطي الحقّ بالقوّة لجماعة ما، على أن تنال نصيبًا أفضل وأكبر من غيرها في الوجود، ويشكّل هذا الصّراع ونسق القوّة، الحلّ "الطّبيعيّ" الّذي تقدّمه "الطّبيعة" والتّكوين للإنسان، مع الاذعان المسبق بسقوط الضّحايا والخسائر المناسبة لهكذا صراع على البقاء. إنّ التّاريخ البشريّ، يشهد على هذا الصّراع الفكريّ العميق والدّقيق، والخطرِ في الوقت نفسه، والّذي لوّن مشهديّة التّاريخ بلون الدّم الأحمر، ولم يخلُص إلى حدّ الآن إلى صنع مستقبلٍ آمن للبشريّة. رغمَ أنّ الأديان الوَحْيانِية والسّماويّة الإلهيّة، وخصوصًا الدّين الإسلاميّ بطرحه الخلاصيّ المهدويّ، يقدّم طرحه الخاصّ في نجاة الإنسان من قدرِ القتل والمسار الدّموي للبقاء حيًّا، إلّا أنّ الظّروف الموضوعيّة لهذا الطّرح لم تتكامل إلى حدّ اليوم.
على أنّ القرن الواحد والعشرين يشكّل محطّة مناسبةً، لإعادة النّظر بالمرحلة التّاريخيّة الفائتة على مساحة قرنٍ ونيّف من الزّمن، حيثُ تزامن عنصر التّقدم والتّطوّر التّكنولوجيّ، والتّقنيّ، والعلميّ، والانفجار الهائل في عصر المعلومات والحوسبة، والصّناعات الثّقيلة والذّكيّة، والاختراعات الدّقيقة، مع بروز الحضارة الأميركيّة كقوّة عالميّة كبيرةٍ ذات قدرات ضخمة في العديد من المستويات. هذه المزامنةُ، لم تكشفُ إلّا عن وجهٍ صراعيّ دمويٍّ للحضارة الأميركيّة، طالعته البشريّة منذ احتلال القارّة الأمريكيّة مرورًا بمرآة الحرب العالميّة الأولى والثّانية، وما بعدها من الحروب البينيّة والإقليميّة والدّوليّة إلى هذه اللّحظة، مخلفةً ملايين من القتلى والضّحايا والدّمار الواسع، مع تنوّع كبير في أدوات وأساليب القتل والممارسة الإفنائيّة للجماعات والشّعوب، والطّبيعة.
ثم إنّ التّوقّف عند "الحضارة" الأمريكيّة، يحيلنا الى ثلاثة مجاور صبغت التّاريخ الأمريكيّ:
المحور الأوّل: التّنظير الفلسفيّ للقتل؛ حيث دأب المنظّرون الأمريكيّون، تبعًا للمنظّرين الأوروبيّين، على فلسفة عمليّات القتل والعدوان، بمبرّرات استعلائيّة تارّة، وحضاريّة تارة أخرى، تحت شعارات حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة، ورفع مستوى الوعي، وتأهيل الدّول على حكم نفسها، والدّفاع عن الأقليّات، والأمن القوميّ، وما الى ذلك من شعارات مخادعة، مستعملين في ذلك مختلف أساليب القمع والعدوان العسكريّ والسّياسيّ والاقتصاديّ إلخ.
المحور الثّاني: على أنّ تحقيق النّتائج المرجوّة في المحور الأوّل، لا يتمّ إلّا إذا تلازم ذلك مع حملة دعائيّة، وتضليل إعلاميّ كبير تُنفق عليها مليارات الدّولارات؛ إذ لم يشهد التّاريخ هذا الحجم من الضّخّ الإعلاميّ المزيّف، ومن التّضليل المبرمج، ومن الإنفاق على وسائل الإعلام المختلفة، هذا الإعلام الّذي يدّعي الموضوعيّة، ليظهر لاحقًا أنّه أبعد ما يكون عنها، ولتكشف الحرب على غزّة، وما قبل غزّة وما سيأتي بعدها. إنّ هذه الإمبراطوريّة الإعلاميّة الغربيّة عامّة، والأمريكيّة بشكل خاصّ، ليست سوى إمبراطوريّة الكذب، وتزييف الحقائق، والتّلاعب بالصّورة، وحجب الوقائع، هي صورة ما تريد الإدارة الأميركيّة، ولوبيات الضّغط تظهيره للرّأي العامّ لا سيّما الدّاخل الأمريكيّ، فتغدو الحرّيّة للأمريكيّ ليست سوى القدرة على الإختيار بين حقّ أُلبس لباس الباطل لتنفر منه، وباطل صُوِّر بمظهر الحقّ لتُقبِل عليه. فلا غرابة والحال هذه، أن تسقط أنظمة بحجّة امتلاك أسلحة محرّمة دوليًّا، أو السّعي لامتلاكها لن يُثبت وجودها أبداً، أو تُفرض إجراءات اقتصاديّة ظالمة على شعوب بأكملها، فيما تقوم الآلة الإعلاميّة بتسويقها على أنّها فرضت على النّظام فقط، على أن المفارقة الكبيرة هي أنّ من يهدّد بالحرب، دولا أخرى بدعوى امتلاك أسلحة محرّمة دوليًّا هو الأكثر استعمالّا لها عبر التّاريخ، بل هو أوّل وآخر -إلى الآن- من استعمل السّلاح النّوويّ.
المحور الثّالث: هو محور تنفيذ الخطط عمليًّا عبر الحروب العسكريّة والإقتصاديّة والسّياسيّة والإجتماعيّة.
هي حروب إبادة بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وهي حروب رافقت الولايات المتحدة الأمريكيّة من قبل نشوئها، وأعني منذ لحظة اكتشاف القارّة وغزوها من الأبيض القادم من أوروبا، لتبدأ بعدها مباشرة حروب الإبادة الجماعيّة للسّكّان الأصليّين. ولم تكد تنتهي هذه الحروب، حتّى خاض المحتلّون حربًا أسموها حرب الاستقلال ضدّ البريطانيّين، ولا ندري من يستقلّ عن من، وهم جميعًا غُزاة؟!
ثمّ جاءت بعدها الحرب الدّاخليّة بين الشّمال والجنوب، لتتوالى بعدها سلسلة الحروب. ولعلّنا لا نبالغ إن قلنا إنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة هي أكثر الدّول خوضًا للحروب مقارنة بعمرها، وهي أكثر الدّول فتكًا لناحية عدد الضّحايا، الّذين خلّفتهم حروبها مقارنة بعمرها أيضًا. وإذا كان "ميكافيللي" أوّل من أطلق مقولة "الغاية تبرّر الوسيلة"، فإنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة هي الأكثر عملاً بها، والإخلاص لها.
وعلى أيّ حال، لقد أظهرت البحوث الجادّةُ حول تاريخ القتل والإجرام الأميريكيّ، عن سماتٍ بنيويّةٍ للعقل، والشّخصيّة الحضاريّة الأميريكيّة القائمة على العنف، والإفناء، والقتل، وتجريمِ الآخر لكونه آخر، وهي ترتكزُ على قواعد فكريّة وحضاريّة متّصلة بالجذور الأوروبيّة للعنف. إنّه العنفَ بصيغته الأوروبيّة، المتمحور حول الأورو-مركزيّة الحضاريّة المتعاليّة والغارقة في الطّهرانيةِ والاستعلاء على الآخرين، ذات الاتّجاه التّبريريّ لفعل التّسلُّط والقتل.
إنّ مشهديّة العنف الأميريكيّ ترتكز في عمقها إلى روحيّة إبادة السّكّان الأصليّين، والاستيلاء على أرضهم وخيراتهم، والإمعان في قتل الرّوح الحضاريّة والثّقافيّة لهذه الشّعوب الأصليّة، بما يضمنُ أبديّة الاستعمار المباشر وغير المباشر، وضمان بقاء الأوروبيّ والأميريكيّ في المقدمة دومًا، وهذه الرّوحيّة هي صناعةٌ أوروبيّة في عهود الاستعمار الكولونياليّ الأوروبيّ، الّتي سادت الكرة طوال قرون إلى منتصف القرن العشرين. وهذا الموضوع، قد تمّ بحثه بشكلٍ دقيق وموسّع في العدد الماضي من مجلّة "أُمَم". وفي هذا العدد، تطرّقنا إلى التّنظير الفلسفيّ للحر،ب والقتل في العقل السّياسيّ والحضاريّ الأميريكيّ، خصوصًا في ما يتعلّق بالمرجعيّات الفكريّة النّظريّة للعنف، عند صقور الإدارة الأميريكيّة المؤثّرين على مستوى القرار والقيادة والاستراتيجيا.
القضيّة الثّانية الّتي يبرزها هذا العدد في بحثه حول العنف وتاريخ الحروب الأميريكة، هو إبراز لاحضاريّة التّفوّق الأميريكي وبناء الدّولة الحديثة الأميركيّة، من خلال إظهار سمةٍ عامّةٍ رافقت هذا البناء، وهي الكلُفة البشريّة العاليّة جدًّا، الّتي تمّ دفعها من دماء الشّعوب، من أجل بناء وبقاء الدّولة الأميريكيّة؛ ولذلك، برّز هذا العدد من المجلّة، وضمن إحصاءات دقيقةٍ، الأعدادَ المخيفة للقتلى وضحايا حروب أميركا في هذا المرحلة فقط، لتظهر هذه الإحصائيّات حقيقةَ القوّة والمسار الحضاريّ المتقدّم المدّعى، الّذي تروّج له السّياسة والإدارة الأميركيّة.
إنّ حقيقةَ المسار الدّمويّ الواسع هذا، أفسح في المجال بشكل لا لَبْسَ فيه، أمام تعرية الدّعاية السّياسة الأميركيّة المختبئة، خلف شعارات حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة والإنسانيّة، وذلك ببداهة المسار الاجراميّ، الّذي لم يكن من الممكن إخفاؤه عن الشّعوب في العالم. لقد أظهرت البحوث الّتي تمّ إجراؤها، حجم التّمويل الكبير والتّخطيط الّذي تقوم به أميركا، فيما يخصّ التّضليل الإعلاميّ، واللّعب بالعقول، وتحوير الحقائق، واستغلال إرادات الشّعوب بشكل براغماتيّ، فيما يرتبط بمصلحتها الخاصّة فقط. إنّ تاريخ التّضليل الإعلاميّ والكذب والتّزوير وتحريف الحقائق، الّذي مارسته أميركا في خصوص حرب فيتنام، والخليج الأولى والثّانية، وحرب العراق، وسوريا، وبطبيعة الحال فيما يتعلّق بكلّ حركات المقاومة في بلادنا وابتداع تسميات الإرهاب، والتّطرّف وإخراجها من صنف البشر في تبرير مسبق للقتل والإفناء، يشهد على حجم التّزوير وإرادة الإجرام والقتل بشكل عمديّ ونهائيّ، كأسلوبٍ أميركيّ أصيل في العمل السّياسي والإنسانيّ .
وتظهر أبحاث هذا العدد كذلك، الآثار التّدميريّة الواسعة للحروب الأميريكيّة في الحربين العالميّتين، وحرب فيتنام، وغزو أفغانستان، وخصوصًا الاستخدام الواسع للأسلحة المحرّمة دوليًّا، بالأدّلة والمعلومات الإحصائيّة الدّقيقة، الّتي تظهر عدم اعتناء هذه الحضارة بأدنى حقوق الإنسان، والقوانين الدّوليّة الإنسانيّة الّتي تمّ الاتّفاق عليها في المواثيق والعهود الدّوليّة. رغم أنّ اضطرار الحكومات الأميركيّة المتعاقبة إلى استخدام القوّة المفرطة غير الشّرعيّة والمسبّبة للدّمار الشّامل، كما فعلت في هيروشيما وناغازاكي، وفيتنام، والتّدمير الوحشيّ للعراق وبُناهُ التّحتيّة وموارده البشريّة وفرض الحصار الجائر عليه، وعلى الشّعوب الأخرى كاليمن وفلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وغير ذلك، يؤشّر إلى الضّعف المتمكّن التّدريجيّ الحاصل في القوّة الأميركيّة والكامن فيها، بحيث أنّها تلجأ إلى الإجرام والوحشيّة من أجل حسم النّزاعات وتحقيق مصالحها، وهو أمرٌ لا يرتبط بالعمل السّياسي بأيّ صلة. ومن جهة أخرى، سبّب هذا السّلوك الإجراميّ في استعمال الأسلحة المحرمة دوليًّا، بإيجاد نوعٍ من التّبرير والمشروعيّة في استخدامها، عند حلفائها خصوصًا الدّول الأوروبيّة الّتي تستخدمها أميركا في حروبها، وكذلك الدّعم منقطع النّظير الّذي ناله البائد "صدّام حسين" في حربه على شعبه والشّعوب المجاورة، واستخدامه أسلحة محرّمة دوليًّا كالأسلحة الكيميائيّة، وأساليب القتل الممنوعة وغير ذلك، وكذلك ما قامت به إسرائيل من جرائم وحشية مدانة منذ سبعين عامًا، فيما يشابه المسار الإجراميّ التّاريخيّ لأميركا في استئصال الشّعوب الأصليّة، وفي استخدام كافّة أنواع القتل، والجرائم، والأسلحة المحرّمة في سياق الحرب الوجوديّة المدّعاة للكيان الإسرائيليّ المغتصب، وكلّ ذلك تحت رعاية، ودعم، وتمويل، وتوفير غطاء قانونيّ ودوليّ وإعلاميّ أميريكيّ. وهذا الّذي نشهده حاليًّا في غزّة والضّفة، أمام أعين العالم. فضلًا عن انتهاكات حقوق الأسرى والمساجين، الّتي شكّلت فضيحة كبرى لمزاعم أميركا والعالم الغربيّ، في محتجزات ومعتقلات "أبو غريب" و"غوانتنامو" وبقيّة المعتقلات السّرّيّة في العالم.
إنّ هذا المسار من الوحشيّة، والقتل، والكلفة الإنسانيّة الباهظة، الّتي يتكلّفها المجتمع الإنسانيّ العامّ، تحت وطأة القوّة العسكريّة والاستعماريّة الأميركيّة الغاشمة، والسّيطرة الخبيثة على الاقتصاد، والإعلام وصناعة المعرفة عالمياً، وارتكازهِ إلى سياقات بنيويّة معرفيّةٍ مرتبطةٍ بأصول توراتيّة-مسيحيّة وفق قراءاتٍ طهرانيةٍ خاصّة، ونتيجة فلسفات القوّة والعبثيّة والنّيوليبراليّة، الّتي تتيحُ لصاحب القوّةِ ممارسةَ ما لديه من القدرة، من أجل تحقيق مصلحتهِ كقيمةٍ حضاريّة عليا. وهذا الأمرُ، يخضع لنقاش حضاريّ وقيميّ في الصّميم؛ ولذلك، كانَ لا بدّ من فتحِ آفاقٍ أوليّةٍ للباحثين، في طرح ما يخصّ النّظرة الإسلاميّة لاستخدام أسلحة الدّمار الشّامل ومشروعيّة ذلك، وإظهار المبادئ الصّحيحة والسّليمة لحدود استخدام العنف في الصّراعات، وحلّ النّزاعات مع الآخر، وكيفيّة بناء حياة اجتماعيّة "أكثر إنسانيّة". وكذلك فيما يخصّ حقوق الأسرى من وجهة نظر إسلاميّةٍ، والّتي تظهر الإطار الإنسانيّ والحقوقيّ الشّرعيّ، الّذي يؤمّنه هذا الدّين للأسرى، في مشهدٍ مخالفٍ للسّائد تحت نظر، وفعل، وتأييد الإدارة الأميركيّة في هذا القرن الفائت، المليء بالجثث والقتل والمصابين والمتضرّرين من الإفراط في استخدام العنف والحرب دون حدود.
والحمد لله أولا وآخرًا
[1] مدير مركز براثا للدّراسات والبحوث (بيروت)، ورئيس تحرير مجلة أمم.




التعليقات