أوَّل الكلام: أصالة المُخلِّصُ في الفكر البشري- د. محمد محمود مرتضى

مشاركة هذا الموضوع :

منذ أنْ سكن الإنسانُ هذه الأرضَ، وجد نفسَه في مواجهة ثلاثة أمور: الأوَّل الموتُ والفناء، والثَّاني هيمنةُ قوى الطَّبيعة وتَحدِّياتُ الوجود الكثيرة والمختلفة من حوله، والثَّالث التَّزاحُمُ مع بني جنسِه ومحاولاتُ الهَيمنة والسَّيطرة وما يُرافق ذلك من ظُلم واضطهاد.

أوَّل الكلام: أصالة المُخلِّصُ في الفكر البشري

رئيس التحرير

د. محمد مرتضى

 

   منذ أنْ سكن الإنسانُ هذه الأرضَ، وجد نفسَه في مواجهة ثلاثة أمور: الأوَّل الموتُ والفناء، والثَّاني هيمنةُ قوى الطَّبيعة وتَحدِّياتُ الوجود الكثيرة والمختلفة من حوله، والثَّالث التَّزاحُمُ مع بني جنسِه ومحاولاتُ الهَيمنة والسَّيطرة وما يُرافق ذلك من ظُلم واضطهاد. فأمَّا المَوتُ والفَناء فأمرٌ لا بدَّ منه، وهو فوقَ طاقةِ البشر، وقد تناولَه الفلاسفةُ وتكلَّموا فيه، لكن في نِطاق التَّفسير والتَّحليل والتَّوقُّعات، ومُنتهى ما يُقالُ عنه أنَّه لغزٌ عظيم ومُصاب حتميٌّ، لا يَنفع معه إلَّا الرِّضا والتَّسليم.

وأمَّا قوى الطَّبيعة ومواردها فهي من اختصاص العقل البشريِّ، والعلوم التَّطبيقية والتُّكنولوجيا تكفَّلت في ضبط بعضِها وتَسخيرها لصالح الإنسان، على حين وضعَتِ الأسُس والقوانين للتكيُّف مع ما لا يُمكن ضبطُه من قوى الطَّبيعة، وما تزال تلك العلوم في سَعيٍ مستمرٍّ لتذليل الطَّبيعة والسَّيطرة عليها والإفادة من مواردها وطاقاتها.   

وأمَّا السَّيطرةُ البشرية، وهَيمنةُ الأقوياء على الضُّعفاء، والظُّلم والعبودية والاستغلال، فكلُّها عناوين سوداء أصابت الإنسانيةَ منذ وُجد الإنسانُ، واعتصرَت على مرِّ التَّاريخِ أفئدةً وأرواحًا وعيونًا، طالَت مُعاناتُها، وتوالَت نكباتُها، وهي تَرنو إلى أفق الخلاصِ، تتطلَّع للنُّور، وتنتظر العدالة.

 لقد انغرسَ في وجدان مُعظم البشر بذرةُ الأمل بالخلاص من واقعهم، الذي ما انفكُّوا يَرونه واقعًا ظالمًا، تُحدِقُ به المَخاطرُ من كلِّ حدبٍ وصَوب.. وقد تطوَّرت هذه الفكرة مع الإنسانِ في سياق تطوُّر حركته الوجودية، منذ أن نشأت أُولى الحضارات البشرية. فهو يَرنو للخلاص الذاتيِّ، ويتطلَّع لوجودِ مُخلِّصٍ ومُنقِذ، يَدفَع عنه شرورَ واقعِه ومظالمَ حياته، ويأخذ بيده إلى العيش الكريم، والحياة الطَّيبة، حيث يسود الخيرُ وقِيَم الحقِّ والعدل. 

فموضوع "المُخلِّص" هو بالأساس فكرةٌ إنسانيةٌ قديمة، تمتدُّ جذورُها إلى أعماق التَّاريخ السَّحيق للقبائل والشُّعوب، ويُمكِنُ تلمُّس معالِمِ هذه الفكرة في آثار الدّيانات القديمة، سواء السَّماويّة منها أو تلك التي تُسمَّى "وضعيّةً"، ولا نُغامر إنْ قُلنا إنَّه لمْ يَخلُ أيُّ نظام عقائديٍّ بشريٍّ –في ثقافته ورُؤيته وتكوينه الفكريِّ العمليِّ- من القول والتَّبشير بوُجود مُخلِّصٍ (مُنقِذ) يأتي في آخِر الزَّمان، ليُظهِرَ مُعتقداتِ هذا الدِّين أو ذاك ، وهذا ما أكَّده وأثبتَه أيضًا علمُ "الأُخرويات الدِّينية Eschatology". 

فعلى سبيل المثال، آمنَتْ قبائلُ القارّة الأمريكية بفِكرة المُخلِّص، كما آمنَت شعوبُ حضاراتِ الشَّرق القديم (وهي أقدم حضارات البشر) بهذه الفكرة، ورسَّخَتها في عقائدها وطقوسِها الدِّينية، فقد وردَ عن الحكيم "أبيور" أنَّ المُخلِّص المُنتظَر يُلقي بَرْدًا على اللَّهيب، ويتكفَّلُ برعاية جميع الخلائق، ولَمِّ شَمل قطعانه[1].. كما ذكر كثيرٌ من المراجع والمصادر الفرعونيّة أنَّه "بينَما آمَنَ البعضُ الآخَرُ أنَّ هذا العصرَ الجديد يُمكِنُ أنْ يأتيَ على يدِ ملكٍ عادلٍ يُنقِذُ الناسَ ويُعيدُ تنظيمَ المجتمع…. وهذا كاتبٌ من الفريق الثاني ويُدعى (نفرروهو) يَصف ما آلَت إليه حالُ البلاد من سُوء، ويتنبَّأ بمَجيء مَلِكٍ يُخلِّصُ الناسَ مما هم فيه، ويُسمَّى هذا الملكُ آميني"[2].

وفي حضارة بلاد الرَّافدين نجدُ كثيرًا من الرِّوايات والحوادث التاريخية، التي تُقدِّم تصوُّراتٍ عن فكرة الخلاص ووجود المُخلِّص، ففي "أسطورة الخَلق البابلية" لاحظنا وجودَ كثيرٍ من الأفكار حول نهاية التَّاريخ بعد صراعاتٍ وخلافاتٍ بين الآلهة[3].

وفي بلاد فارس، اعتقدَتِ الزّرادشتية (وهي دينُ بلاد فارس القديم) بأنَّه سيَظهر خلال المرحلة الأخيرة، من التَّاريخ البشريِّ، المُخلِّصُ المَدعوُّ "ساو شياط"، وهو سيَقود المعركةَ الأخيرةَ ضدَّ الشَّيطان ويَقضي عليه.

وفي المانوية نَرى مُخلِّصًا أرسلَتْه القَوةُ العُلويّة، حيث يَقوم بتنبيه آدمَ من رَقدتِه، ويُطلِعُه على حقيقته.  

وهكذا فإنَّ الأديانَ السَّماوية، مَثَلُها مَثَلُ الأديان غيرِ السَّماوية، تَحتوي رؤيةَ المَفهوم الخلاصيِّ Concept of the Savior طبقًا لما يُسمَّى "دورة الظُّهور"، حيث تَشتركُ جميعُها في أنَّ لِلمُخلِّص ولآخِرِ الزَّمان علاماتٍ على ثلاثة مستويات، قبل وأثناء وبعد مَجيء المُخلِّص.... الخ[4]

وإذا ما وصلنا بالحديث إلى الدِّين اليَهوديِّ فإنَّ الخلاصَ في مفهوم هذا الدِّين هو أمرٌ رئيسيٌّ وحيويٌّ، وقد بنَوا عليه كاملَ تصوُّراتِهم الدِّينية والفكرية العملية؛ حيث سيُقيم المشيّح مملكةَ بني إسرائيل، لِيَنصُرَهم على ما عداهم من الأُمم، ويكون إيذانًا بِرَدِّ سبيِهِم وجَمعِهم من الشَّتات وإعادة مَجدهم، وفي اليهوديّة اشتطَّتْ فكرةُ (المشيحانية) واختلطَتْ بِبِدعٍ غنوصيّةٍ وصوفيّةٍ قبالية وحلولية شتّى؛ حيث اقتصرَت المعرفة بها على خواصِّ الحكماء (esoteric)، مَثَلُها مَثَلُ مفهوم (الشِّخيناه) الحلولي، وفي المُقابل نَفى آخرون هذه الصِّيغ والأوصاف، وعدُّوها بدعيّةً مُنحرِفة. وبين صراع النَّفي والإثبات ظهرَت حركاتُ "المشيحانية" كنظام من المُعتقَدات والأفكار، لتتمحورَ حولَ توقُّع مَجيء المشيَّح، كما ظهر أشخاصٌ ادَّعَوا أنفسُهم، أو نسبَهم آخَرون، إلى كونهم تَجسيدًا للمشيَّح المُنتظَر. وكما أنَّ إله اليَهود (يهوه) هو إلهٌ قوميٌّ خاصٌّ باليَهود دون غيرهم، فإنَّ المُخلِّصَ اليَهوديَّ هو مُخلِّصٌ قَوميٌّ خاصٌّ بهم أيضًا.

ولا يَخرج مفهومُ المُخلِّص في الفِكر المَسيحيِّ عن اصطفاء أتباعِ المسيحيّة، لتكون لها الأسبقيّة والغلبة إبانَ الظُّهور الثَّاني ليسوع المسيح في آخر الدُّنيا، وإنْ كانت المسيحيةُ تُنادي بمفهوم "الكنيسة الأممية" والخلاص لكلِّ البشر، إلا أنَّها في مفهومها للمُخلِّص، وبعدَ القُدوم الثاني، يتكرَّس تصنيفُ باقي البشر باعتبارهم مجرَّدَ (أُمم) ضالّة[5].

إذن، كلُّ ما تقدَّم من وجودٍ أصيل وراسخ لفكرة المُخلِّص، في كلِّ الاعتقادات والديانات القديمة، له دلالةٌ واضحة على أنَّ المُنقِذَ بصفته مُخلِّصًا هو -مع اختلاف المُسمَّيات- عاملٌ وعنصرٌ أصيل من عناصر تلك السَّردية الدِّينية والاجتماعية في الحضارات عامّةً، فلم يكن حِكرًا على مجتمع أو مِلّةٍ أو حضارة بذاتها. 

والملاحَظُ أنَّ تعاطي الثَّقافة والفلسفة الغربية الحديثة مع تلك القراءات الخلاصيّة للتاريخ سلكَ منهجيّةَ النَّقد الجذريِّ، حيث قام رُوّادُ تلك الفلسفة بنقض هذه الأطاريح، من خلال البحث في فلسفة التَّاريخ وتفسيره، وفهمِ أسئلتِه الوجوديّة الغامضة؛ بهدف بناء حضارتهم ومستقبلهم، بدءًا من محاولات (كانط) الذي اعتبَر أنَّ غايةَ التَّاريخ البشريِّ هي الوصول إلى الحرية عبر حُكمٍ مدنيٍّ يَحكمُه قانونٌ عامٌّ، وبتحقيق هذه الغاية للتاريخ يكون قد حقَّقَ التَّاريخُ نهايتَه. ثم (هيجل) الذي عدَّ انتصار الثَّورة الفرنسية (1806م) إيذانًا بإعلان نهاية التَّاريخ، حيث رأى أنَّ "تاريخ العالَم... يكون مضمونُه الجوهري هو الوَعي بالحريّة"[6].

ونصلُ إلى محاولات (فريدريك نيتشه) الذي اختلفَت فلسفتُه وتعارضَت مع قراءات غيرِه، ثمَّ سَعَت إلى تأسيس التَّاريخ الفكريِّ الغربيِّ، وتشييد بنيانه، وَفقًا لقِيَمٍ ومعاييرَ عقليّةٍ أداتيّة ماديّة تبحث في حقيقة الوجود، لِيُمثِّلَ فكرُه ذروةَ التمرُّد على الِقيَم المسيحية (والدِّينية عمومًا)، حيث اعتبرَ أنَّ القِيمَ والمفاهيم المعنوية -مثل الزُّهد والأخلاق- ليست سوى صورة من صور الوَهن والضَّعف الذي يُؤخِّر الإنسانيّةَ عن كمالها المَنشود، ثمَّ دعا إلى ضرورة التخلِّي عن هذه الفِكرة لأجل "تحرير الإنسان"، وتكريس إرادتِه الحُرّة لأجل اكتسابِه الشَّجاعةَ، واعتبر (نيتشه) أنَّ تقديسَ الله الذي عمَّقَته المسيحيةُ قد زاد من معاناة الإنسان، وأسهَم في تدمير حياته، من خلال شعوره بالذَّنب والخَطيئة التي أفضَت به إلى الزُّهد وكُره الحياة؛ لذلك رفضَ ذاك التَّاريخَ وسعَى إلى تجاوُزِهِ من خلال نقدِه نَقدًا بنّاءً، داعيًا إلى ضرورة الإيمان بالحقيقة بدلًا عن المُثُل العُليا للوجود. 

لقد شيَّد (نيتشه) بُنيانَه الفلسفيَّ في قراءته للتَّاريخ وَفقًا لفكرة "إرادة القوة"، فانتهَت به إلى الإيمان بمفاهيم: "الإنسان الأعلى"، و"موت الإله"، و"العَوْد الأبدي"، حيث لا آخِرَ للزَّمان، وأنَّ الماضي سيظلُّ يُعيد نفسَه في المستقبل إلى أبدِ الآبدينَ، وأنَّ الحياةَ تُعاوِدُ نفسَها من خلال حضور الإنسان الأعلى التَّوّاقِ إلى بلوغ الكمال، ذاك الذي يَمتلكُ إرادةَ القُوّة لأجل بَعثِها من جديد وَفق قِيَمٍ جديدةٍ تَتماشى والحاضر، فيُصبح الماضي نموذجًا إرشاديًّا للمستقبل؛ وكأنَّنا به يُريد أن يُعلِنَ أبديّةَ الزَّمانِ للهُروب من تَناهي الوجود الإنسانيِّ، من خلال تكرُّر أحداث التَّاريخ في دوراتٍ دون أيِّ شيءٍ جديد، لِيُعيد الماضي نفسَه في المُستقبل. 

لقد أسهَمَت -هذه القراءة الهَدّامةُ للتَّاريخ- في عبور الحضارة الغربية إلى مرحلة "ما بعدَ الحداثة" وسُيولة المَفاهيم وسيادة مَنطق القُوّة؛ إذ إنَّ فكرة "العوْد الأبديّ" خارجةٌ عن السِّياق الكونيِّ الحاكمِ للوُجود، الذي أثبتَتِ الفلسفةُ الإسلاميّةُ أنَّ مسيرَهُ يَمضي نحو تكامُل دائمٍ مُستمرٍّ يَنتهي إلى المُطلَق: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: 8]، وإذا ما تفحَّصْنا جيِّدًا قراءة نيتشه للتَّاريخ فسنجدُها قائمةً على ضرْبٍ من الغُرور والمُغالطة، باعتبار أنَّها قائمةٌ على قِيَمٍ تَتنافى ونَواميسُ الكون، خاصَّةً أنَّ حديثَه عن الدَّيمومة وموت الإله يتعارض مع أُولَى بديهيّاتِ الفِطرة البسيطة، حيث خرج عن السِّياق المَعقول، وألقى بنفسِه في الإلحاد والكفر، ويتجلَّى الإلحادُ علنًا في فلسفته من خلال انتصارِه لفكرة مَوت الإله، والمُراهَنة على وجود الإنسان الأعلى الذي لا يَهابُ شيئًا، فلم يَعُدِ الدِّينُ معَه يَتناقضُ مع العِلم، وإنَّما أصبح أداةً لإذلال الإنسان. 

وعلى الجهة الأخرى من القراءة الغربية للتَّاريخ ظهرَ تطرُّفٌ في الاتِّجاه المُقابل، يَحمل رؤيةً نهائيّةً للتطوُّر الاجتماعي والسياسي لحركة المجتمعات البشرية إلى نهايةٍ "حتمية"، تَزخرُ بجُملةٍ من التَّناقضات والتَّنبُّؤات غير العلمية التي بُنيت على هذه "الحَتمية"، أفضَتْ إلى مواقف جذريّةٍ عنيفةٍ لا تَتقبَّلُها الفِطرةُ السَّليمة مثل: إلغاء المُلكيّة الفَرديّة، ورفضِ الفِكرِ الدِّينيِّ والرُّؤية الميتافيزيقيّة، وإنكارِ البعث والحساب والحياة الآخِرة التي هي محلُّ إجماعٍ لدى مختلف المُجتمعات البشرية على مَدى الزَّمان.. وقد كشفَتِ التَّجربةُ أنَّ فلسفةَ (ماركس) -وهي تتحدَّثُ عن "نهاية التَّاريخ"- تكشفُ عن التَّشوُّه الأخلاقي الذي يُصيب الإنسانَ في ظلِّ سيطرة العلاقات الماديّة وسيطرة المَصالح الاقتصادية، وفي سياق صِراعِ المَصالح يتحوَّلُ الإنسانُ إلى مجرَّدِ كائنٍ وَظيفيٍّ مُشوَّهٍ بسبب التَّخصُّص الآليِّ والصِّناعيِّ المَبتور، فتحُول تلك المصالحُ دون ارتقاء الإنسان أخلاقيًّا كما يجب أن يكون عليه الحالُ.

وقد اتَّخذتِ الماركسيةُ من فلسفتها المادِّية وسيلةً لتفسير المجتمع وتَغييرِه، إلى أن انتهَت إلى غايتها المنطقيّة -أي المادية التاريخية-، فحاولَت أن تتوسَّع من معرفةِ الطَّبيعة إلى معرفة المُجتمع البشريِّ، ونفَت الماركسيّةُ دورَ الدِّين كمُحرِّكٍ في التَّغيير الاجتماعي، وعدَّت نموَّ وسائل الإنتاج هو الذي يُغيِّر ويُؤثِّر في الوَعي الثقافيِّ والدِّيني للمجتمعات، كلُّ ذلك وغيرُه من التَّفسيرات التاريخية والحَتمية جعلَت من الماركسية موضعَ نقدٍ ورَفضٍ من قِبَل الأديان.

وبشكل عامٍّ جرَّت الاختياراتُ البشريةُ الخاطئةُ، والمُتكرِّرةُ عبر التاريخ، إلى أن انتهجَتِ الجماعاتُ البشريّةُ والحضاراتُ المُتنوِّعةُ مسالِكَ كثيرةً مُتباينة في تَنظيرها وسُلوكها لمسارات حادّةٍ وانتقائيّةٍ من أجل الوُصول إلى السَّعادة من وجهة نَظرِها، أو في نَفيها بالكُلِّية لإمكانيّةِ السَّعادة في الدُّنيا. وقد جرَّ هذا السُّلوكُ كثيرًا من الكوارث الفَظيعة على الإنسان، وأوقعَه في مَحدودياتٍ شقيّةٍ، بسبب قَصْر الوجودِ الإنسانيِّ على الحياة الدُّنيا، فأنتجَ العقلُ المادِّيُّ الحَداثويُّ فكرةَ نهاية التَّاريخ في فلسفة نيتشه، وما يُشبِهُها عند ماركس وغيره، في سياقٍ جدليٍّ مفهوم لضرورة أن تُقدِّمَ هذه التَّيارات إجاباتٍ مُقنعةً -ولو كانت في مستوًى رمزيٍّ- عن أقصى تصوُّرٍ مُمكِنٍ للسَّعادة التي تتعهَّد هي بتقديمها للإنسان المعاصر.  

وعلى الرغم من أنَّ نهاية الإنسان التاريخيِّ، بمُعتقداتِه وأفكارِه وأديانِه، ونهايةَ فكرة الإله ودِينه الوَحيانيّ، تَفرضُ أن يتخلَّى الإنسانُ عن الخوف من الميتافيزيقيا، ويَستغلَّ وجودَه الماديَّ إلى أقصى درجة من الكمال في الوُصول إلى اللَّذّة والسَّعادة، فكرَّسَتْ لأزمةِ أخلاقٍ ضمنَ ما عُرف بـ"فلسفات وتيّارات نهاية التَّاريخ"، وما نتجَ عنها من تعرُّض مبدأ "الأخلاق" لتَشويهٍ وتَحريفٍ كبيرَينِ؛ نتيجةَ الدَّعواتِ التي زعمَت أنَّ التَّاريخَ قد انتهى، وانتهى معه الإنسانُ والقِيمُ الإنسانيّة، من خلال الانتصار للقِيَمِ الماديّةِ مُقابل القِيَم الرُّوحيّة، حتى نجد أنَّ الأخلاق خصوصًا، والحياة الإنسانيّة عمومًا، قد تحوَّلَت بشكل نهائيٍّ نحو نوعٍ جديد من العبادة التي يُركِّز عليها نُقّاد فلسفة التَّاريخ والحداثة التي شكَّلَت آخِرَ مراحل التَّاريخ، وهذه العبادةُ تجلَّت في تَشويه الحياة الإنسانيّة في جوهرها الدِّينيِّ والأخلاقيّ.. 

كذلكَ، ظهرَت تيّاراتٌ أكثرُ حداثةً، جعلَت من العلاقة بين الحضارات علاقةً صِداميّةً، بحيث تمَّ تَجاوُزُ القِيَم الرُّوحيّة والإنسانيّة على حساب إظهار القِيَم اللِّيبرالية وقِيَمِ "العقل الأداتيّ"، وانتهى البحثُ إلى تَقييم الأفكار التي قدَّمَتها تلك الفلسفاتُ مثل: مبدأ المَصلحة والإيتيقا عوضًا عن المعرفة الأخلاقيّة التي تُميِّزُ الوجودَ الإنسانيَّ، حتى أنَّه لا يختلف اثنانِ على مدى الشَّقاء والانحطاط والتَّسافُل الذي يُعاني منه الإنسانُ فيما يُسمَّى بمجتمعات "نهاية التاريخ والإنسان الأخير". 

بهذا الشَّكل استطاعَت نظريّاتُ "نهاية التَّاريخ" أن تُؤسِّسَ لفِكر الحَداثة، بوَصفِه نهايةَ الأخلاق أيضًا، عندما تمكَّنَتْ من تَشويه القِيَم الإنسانية، وعلى رأسها القِيَمُ الأخلاقية، وعندما أنتجَت قِيَمَ العَدَميّة واليأس الثقافيّ والحضاريّ، وهذا الأمر جعل الإنسانَ يَعيش نوعًا من العبثيّة الأخلاقيّةِ، رافقَت هذا المَدَّ الفلسفيَّ والفكريَّ في العصور الحديثة، الذي أراد أن يُعلِنَ موتَ الإنسان و"نهاية التاريخ"، فاتَّضَح بالتَّجربة العَمليّةِ أنَّ "نهاية التاريخ" ما هي إلا تأسيسٌ للهَيمنة الغَربيّة عامّةً، والهَيمنة الأمريكيّة خاصّةً، من منظور سياسيٍّ أوَّلًا، حيث اعتبَرَ أنصارُها أنّ انتِصارَها يَعني انتصارَ الأنظمة السِّياسية والاقتصادية الغربية على "الأيديولوجيات المارقة والمُتوحِّشة"!.. وعليه فإنَّه بالنظرَ العَميق، والتَّحليل الثاقب، نجد أنَّ خطاب "نهاية التاريخ" هو تفسيرٌ لشَهوة السَّيطرة والهَيمنة المُتمكِّنة من الذَّات الغربية. 

إنَّ مسألة نهاية التَّاريخ في الفكر الدِّيني، وإنْ كانت مسألةً ذاتَ مُنطلقاتٍ ميتافيزيقية، إلا أنَّ الإيمانَ بصدقها وصحّتِها أمرٌ بديهيٌّ أجمعَت عليه الدّياناتُ، وهي تُقدِّم تَفسيرًا أكثرَ مَنطقيّةً وعَقلانيّةً من نظريات النِّهايات التي قدَّمها الفلاسفةُ والسِّياسيُّون، التي تَهدف إلى احتكار حركةِ التَّاريخ وإيقافِها عندَ لحظة تاريخيّةٍ تُمثِّل حالةَ انتصارٍ لهذا المَذهب الفكريِّ أو لتلك العقيدة الأيديولوجيّة التي تُروِّج لهذه النِّهايةِ التَّاريخيّة. 

إنَّ التَّربية الإيمانيّةَ للإنسان، مضافةً لحريّة الاختيار التي لَدَيهِ، تَجعلُه أمام مُفترقِ طريقٍ حاسمٍ في اختيارِه لمَسارٍ من الشَّقاء والتَّعاسة واليأس في الدُّنيا، في اتِّباعِه لحاكميّةِ التيّارات الفِكريّة والفلسفية غير الإلهيّة عليه وعلى مَصيره، أو في اختياره للأمل والحياة السَّعيدة في الدُّنيا فَضلًا عن الآخرة، في اتِّباعه للوَحي، فالرُّؤية الدِّينيّة قدَّمَت تَفسيرًا لنِهاية الصِّراع بين الخيرِ والشرِّ، وحسمَتِ الصِّراعَ بأنَّ له نهايةً يَنتصِرُ فيها الخيرُ على الشرِّ والظُّلمِ، وعندها تكون نهايةُ الإنسانيّة، ويُركِّزُ المَذهب الإسلاميُّ الشِّيعيُّ على مسألة النِّهايات بشكل قد يكون أكبرَ منه عند غيره من المذاهب الإسلامية.

وقد شكَّلَت قضيّةُ المَهدويةِ في الفكر الإسلاميِّ عمومًا، والفِكر الإماميِّ خصوصًا، مسألةً تَرسم مشهدًا مثاليًّا لخاتمة التَّاريخ وآخرِ الزَّمان، من خلال طرحِ النَّموذج التامِّ الذي يَنتظر البشريّةَ. ولذا كانَت المَهدويّةُ، كتَطبيق من تطبيقات رُؤية نهاية التَّاريخ، هي الوجهة النِّهائيّة التي يَسير إليها التَّاريخُ وَفق البيِّنات النَّقليّة –القرآنيّة والحَديثيّة- وكذلك الفلسفية.

على أنَّ المَهدويّةَ أو المُخلِّصَ، في بُعده الإسلامي، ليس مُخلِّصًا ذا بُعد قوميٍّ أو عِرقيٍّ، وإنَّما هو ذو بُعدٍ إنسانيٍّ عالميٍّ، سيأتي لخلاص البشريّةِ ورَفع كاهل الظُّلم عن المُستضعَفينَ، كلِّ المُستضعَفين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].  

وقد أظهرَتِ الأبحاثُ العلميّةُ أنَّ روحَ نظريّة المُخلِّص إنَّما يَرجع الفضلُ في وجودها واستمرارها، حتَّى بينَ التيّارات الماديّة، إلى الأديان السَّماوية، وخصوصًا الأديان الثَّلاثة التي تَزخر نصوصُها وسرديّاتُها الدِّينية بفكرة المُخلِّص، والحَثِّ على انتظاره، مع كثيرٍ من التَّفاصيل المُتعلِّقة به، بحيث تقوم كلُّها بدور المُربِّي والمُوجِّه لأتباعها في ضرورة احتضان هذه الحَقيقية الدِّينية الكُبرى.. حيث إنَّ مفهوم الانتظار يُشكِّل أحدَ المَعالِمِ الرَّئيسيّةِ لما يُمكِنُ أن نُسمِّيَه بــــــــــ "التأهُّب النَّفسيِّ والعَمليِّ للغاية"، بمعنى أنَّ الغاية بعد أن كانَت حتميّةً بمُقتضى الوعد الإلهيِّ، كذلك، كانت الغايةُ تَرتكز بشكل أساسيٍّ على تغييرٍ في نفوس النَّاس وأذهانهم وتوجُّهاتِهم نحو قَبول حاكميّةِ القِيَم الإلهيّة بمُقتضى ﴿… حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ …﴾[الرعد: 11]، ففلسفةُ التَّاريخ وغايتُه -وفق الرُّؤية الدِّينية- لا تَعزِلُ تحقُّقَ الغاية عن إرادات البَشر وفاعلياتِهم، بمعنى أنَّ الحتميةَ في تحقُّق الغاية لا تُناقِضُ إرادةَ البشر واختيارَهم لها، وهذا الأمرُ هو ما يُمكِنُ أن نُطلِقَ عليه أيضًا "الأمر بين الأمرين" في فلسفة التَّاريخ عند الإماميّة. 

وأمَّا مفهوم الغَيبة فهو من المَفاهيم التي تمَّ تَناولها كلاميًّا بأبعاد مختلفة، تَرجع جميعُها إلى أسئلة تَمحورَت حول البحث عن "القيمة" التي تكمن خلفَ الوجود الغائبِ للإمام المَهديِّ.. فوُجود الإمام وحضورُه بين الناس لا شكَّ في كونه ذا قيمة واضحةٍ وجليّةٍ على مستوى الهِداية وتوجيهِ الأمّة نحو القِيَم الدِّينيّة، ولكن كيفَ نَجمعُ بينَ وُجودِه بشَخصِه في عينِ غَيبتِه عن الأنظار من حيث قِيمة هذا الوجود؟ وما هي الرَّوافد التي تُعطيها قضيّةُ غيبةِ الإمام (عليه السلام) في تحديد الشَّكل النِّهائيِّ للمجتمع البشريِّ؟.. الإجابة عن ذلك لا شكَّ ترتبط في أنَّ الغَيبةَ لا يُمكِنُ أن تُفهم إلا وَفق منظومةِ الإمامةِ عند الشِّيعة، وهي المَنظومة التي تُقدِّم بُعدًا تكوينيًّا للإمام مضافًا إلى بُعده التَّنظيميِّ والقياديِّ والإرشادي. 

وقد شهدت الحضاراتُ الإنسانيّةُ المُتعدِّدةُ رغبةً في أن يَعيش الإنسانُ في دولة مثاليّة، يكون شكلُ الاجتماع السياسيِّ فيها قائمًا على أساس الحقِّ والعدل والخير والحريّة والرَّفاه والسَّعادة.. ولن نعثر على فلسفة سياسيّةٍ قادرة على ذلك إلّا في العقيدة المَهدوية، التي تَقوم على تميُّز دولتِه بخصائص عدّة، منها: حاكميّةُ الدِّين التَّوحيدي، وعالميّةُ سُلطانها في المَشرق والمغرب، وتحقُّق العدل التامِّ، ووإلخ. 

يُقدِّمُ هذا العددُ من المجلة دراساتٍ دقيقةً في تفكيك السَّرديات المُتنوِّعة حول المَفهوم المَهدويِّ بتصوُّراتِه الإسلامية، ويُناقش منطقَ البحثِ وقواعدَ التحرِّي في مسألة نهايةِ التَّاريخ ومُخلِّصِ آخِرِ الزَّمان، بهدف الوصول إلى منهج علميٍّ موضوعيٍّ، من خلال الأدلة العقلية والقرآنية، للوقوف على ماهيّة المُخلِّص كحقيقة دينية سماويّة، والإنسان الأخير كظاهرة اجتماعية مشتركةٍ بين الحضارات والجماعات، وكذلك في تفكيك السَّرديّة الماديّة العَلمانيّة والإلحادية حول الإنسان الخارق كطَرحٍ أيديولوجيٍّ وأخلاقيٍّ بديل، وما يَحتويه من التواءات خطيرةٍ في تأثيراته القِيَمِيّة والحضارية الكبيرة على الإنسان المُعاصِر والمُستقبليِّ.

وتُظهِرُ الدِّراساتُ المُتضمَّنةُ في هذا العدد أنَّ الطَّرحَ الإيمانيَّ في رُوحِه العَميقة هو طرحٌ عَقلانيٌّ ومَشروع وحَيٌّ، ويُمكِنُه ليس فقط الحياة، بل البَقاء بشكل مُزاحمٍ للطُّروحات الماديّة، لكونها مُصابةً بشُروخٍ عَميقة في بنيتها العقلانيّة وفي منظومتها القِيَميّة.

 

المصادر والمراجع

1-          بريستيد، جيمس، انتصار الحضارة تاريخ الشرق القديم، ترجمة: أحمد فخري، د.ط، المركز القومي للترجمة، مصر، 2011م.

2-          ديورانت، وليام جيمس، قصة الحضارة (نشأة الحضارة-الشرق الأدنى)، ترجمة زكي نجيب محمود، دار الجيل، لبنان، 1981م، ط1.

3-          الزنون، عبد الحكيم، كلكامش: الإنسان والخلود، دار المنارة، لبنان، 1996م، ط1.

4-          ظاظا، حسن، الفكر الديني اليهودي أطواره ومذاهبه، القاهرة: جامعة الدول العربية، 1971م.

5-          الغندور، نبيل أنسي، المسيح المخلص في المصادر اليهودية والمسيحية، مكتبة النافذة، مصر، 2007م، ط1.

6-          هيغل، جورج، محاضرات في فلسفة التاريخ، العالم الشرقي، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، لبنان، 1984م، ط1.

 

الهوامش:

[1] نبيل الغندور، المسيح المخلص في المصادر اليهودية والمسيحيّة، ص7.

[2] جيمس بريستيد، The Conquest of civilization انتصار الحضارة تاريخ الشرق القديم، ص114-115.

[3] انظر: عبد الحكيم الزنون، كلكامش: الإنسان والخلود، ص9-10.  

[4] للتوسع والاستزادة يراجع: ول ديورانت، قصة الحضارة (نشأة الحضارة-الشرق الأدنى)، ج1، ص435 وما بعدها.

[5] انظر: حسن ظاظا، الفكر الديني اليهودي أطواره ومذاهبه، ص116-117.

[6] جورج هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، العالم الشرقي، ص132.

التعليقات


messages.copyright © 2023, امم للدراسات الانسانية والاجتماعية