أوّل الكلام: صناعةُ الشذوذ الجنسيِّ كحِرفةٍ لتدمير الأمم

مشاركة هذا الموضوع :

بعد أن كان يُجرِّمها، كيف يجري سحب العالم المعاصر نحو التطبيع مع ظاهرة الشذوذ الجنسي والإباحية الجنسيَّة، بالصورة التي نرى تحوُّلها إلى محور تعتمده الدبلوماسية الأمريكية، وتقاتل من أجله؟

أوّل الكلام: صناعةُ الشذوذ الجنسيِّ كحِرفةٍ لتدمير الأمم

المشرف العام

الشيخ جلال الدين علي الصغير

بعد أن كان يُجرِّمها، كيف يجري سحب العالم المعاصر نحو التطبيع مع ظاهرة الشذوذ الجنسي والإباحية الجنسيَّة، بالصورة التي نرى تحوُّلها إلى محور تعتمده الدبلوماسية الأمريكية، وتقاتل من أجله؟

لا شك أنَّ هذا التحوُّل لم يأت من فراغ، وهو بطبيعة الحال لا يذهب إلى فراغ، مثله مثل أي ظاهرة اجتماعية عملت الحضارة الغربية على إنتاجها، أو إعادة تدوير إنتاجها، عمَّا كان موجوداً بشكل محدود في عصور سالفة.

و إزاء هذا الواقع، نحن معنيون بدراسة هذه الظاهرة على مستويين: الأول: دراسة الظاهرة نفسها لناحية طبيعة الأُسس التي قامت عليها، وطبيعة المُخرجات التي تذهب إليه؛ والثاني:  دراسة العوامل الأساسية التي بسببها تنشأ الظاهرة الاجتماعية في ميادين الحضارة الغربية.

فلو أخذنا المشهدَ النسوي قبل الحرب العالمية الأولى، كمثالٍ على ذلك،  ولو افترضنا أنَّ تلك الحرب لن تكتسحَ الكيانَ الأوروبي، وبالتالي لن يسودَ الجوعَ، ولن تقتل الملايين، لا سيما من الرجال، ولن تتعرض الحياة في مجال الأمن الاجتماعي إلى التشرّد والقلق على المصير، وهكذا بقية ما أفرزته هذه الحرب، فهل سيكون لدينا استفحال في ظاهرة ترك المرأة لبيتها وأسرتها والتحوُّل إلى يد عاملة في المصانع الحربية، والخادمة للوضع اللوجستي للحرب؟ بعد أن فقدت المُعيلَ، أباً أو زوجاً أو أخاً، نتيجة لما أكلته الحرب من الرجال؟

ولو أنَّنا تركنا لخيالنا أن يتمادى أكثر، وينظر حال المرأة التي دُعيت إلى تلبية أغراض الحرب في أوروبا، وهي تتلقى دعوة مُتشددة أكثر حينما بدأ الخزين الرجالي الأوروبي يتآكل في الحرب العالمية الثانية، ومن ثمَّ ليزدادَ العبءُ اللوجستيُّ على النساء بشكلٍ خطيرٍ للغاية؛ بحيث ترك آثاراً هائلة على المجتمعات الأوروبية بشكل عام، ومع هذه الآثار، كانت مظاهر تفكك الأسرة وتجارة الدعارة والعنف ضد المرأة وقضية المساواة وأمثالها تسيرُ بوتيرةٍ مُتصاعدةٍ جداً.

مع هذه النتائج التي لم يكن عالم الأفكار والفلسفات والإيديولوجيات هو المسؤول المباشر عنها، وإنَّما نشأت نتيجة لإفرازات الواقع الذي صنعته أغراض ساسة الحروب ومصانعها، ولكننا سنلاحظ أنَّ عوالمَ التنظير الفلسفي والفكري سرعان ما تلقفتها؛ لنجدَ سيمون دي بوفوار (1908ــ1968) تطرحُ ما سيُعرف فيما بعد بالأفكار المُتعلقة بما يُعرف بالنسوية (Feminism) ومنها راحت تتابع الظاهرة وهي تتلاقح مع أفكار أخرى؛ والتي جاءت هي الأخرى كتداعيات لظواهر متعددة، حتى بلغنا عالم السيداو (CEDAW) وما جرَّ من بعده من عوالم الاندفاع الغربي المعاصر نحو الشذوذ الجنسي.

ولستُ هنا في صدد الحكم القيمي والمعياري على كُلِّ هذه المظاهر، وإنَّما نسعى إلى الوصول إلى فهم التداخل بين نشأة الظواهر الاجتماعية ومُسبباتها، والغايات الكامنة وراء الترويج لظاهرة بعينها وقمع ما سواها؛ والآثار التي خلَّفتها على عوالم الإيديولوجيا والفلسفة، ومن ثمَّ دور الأخيرة في كلّ ذلك، بغية رؤية اللاعب الأساس الذي يقفُ خلفَ الستار.

لقد سعى الكثيرون إلى تصوير الأمور وكأنَّ كُلَّ ذلك إنَّما ينشأ من دوافع فكرية وفلسفية؛ ولكنَّ الواقعَ المعاصرَ أرانا الدور الكبير الذي تقوم به البروباغاندا في صناعة القطيع المؤدلج، والذي يمكن له أن يتجه إلى إنتاج الظاهرة الاجتماعية حتى لو كانت هذه الظاهرة مُخالفة للنمط العقدي المهيمن على المجموعة المستهدفة ذاتها، ما يحدو بنا إلى ألَّا نأخذَ الأمرَ من خلال الصورة الأولى بظاهرها، بل لا بُدَّ من الغوص أكثر لقراءة المشهد الحقيقي الذي يتخفَّى وراء ما أرادت الضجة الإعلامية أن تُخفيه. وقد أرتنا التجربةُ أنَّ هذا المشهد المستور يُخفي وراءه مشاهد متعددة هدفها إبقاء اللاعب الرئيس مستوراً ومخفياً، لأغراض تتعلق بتمرير الفكرة نفسها والتي يتمُّ تهويلها وتمريرها عبر الإعلام، فأصول لعبة التلاعب بالعقول (Mind manipulation) وشروط نجاحها هي إبقاء المتلاعبين في الخفاء، وعدم كشف هويتهم.  

***

ومن وجهة نظرنا فإنَّ دراسةَ الظواهر الاجتماعية لا ينبغي أن تتوقف عند تشريح الظاهرة من حيث النشأة ومحتواها الفكري والفلسفي، وإنّما لا بد من القفز على ذلك لمعرفة المخرجات الاجتماعية التي ستنتهي إليها، وما دام الفكر الأوروبي قد اعتمد، إلى حدٍّ بعيدٍ، في المحطات الجادة لتشييد حضارته، على ديالكتيكية هيغل (1770ــ1831) التي تتحدث عن أنَّ الظواهرَ تتطور عن الظواهر السابقة لها، وعنها فتحت الأبواب التي تركت بصمةً كبيرةً على الظواهر التي تلتها، لتنتهي إلى أنَّ الفكرَ نفسه سيكون وليد الواقع الاجتماعي وانعكاساً له، كما يُلمس بوضوح في آراء ماركس وأنجلز.

ولكن يمكن القول: إنَّ الأثرَ الأكبر في هذا المجال قد يُعزى إلى رجلين؛ أوّلهما: فردريك نيتشه (1844ــ1900) الذي أعلن عن إخراج الإله من عالم الأرض حينما أعلن موت الإله بزعمه (نيتشه، العلم الجذل، الشذرة: 125)، وبهذا جرَّد الظواهر من المجال القيمي، وسلّمها إلى الإنسان مع مناداته بالإنسان الأعلى: "إنَّ الله قد مات، والآن نريد أن يحيا الإنسان الأعلى" (هكذا تكلّم زرادشت: 530)، فقد بات من الواضح أنَّ الإنسانَ الأعلى (مهما كان مصداقه) هو الذي سيتحكم بهذه الظواهر ويُكيِّفها وفق ما يريد، ومعه سقطت القيم الثابتة وغدا كُلّ شيء نسبياً.

وفي مُحاذاة ذلك، كانت دعوة هربرت سبنسر (1820ــ1903) إلى اعتماد نظرية دارون حول التطور في توصيف الواقع الاجتماعي، بما عُرف عنه بالداروينية الاجتماعيةSocial Darwinism، فرصة لتتوسع مساحة التفسير الاجتماعي لكل الأمور؛ سيّان في ذلك علوم العقل النظري أو العملي، فالدين والوحي والنبوة، والتاريخ، والفكر والإدراك والنفس، والجنس والأخلاق والقيم والجمال وما شاكل ذلك، كلّه تحوّل إلى مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي؛ وبصورة طبيعية خرج عالم الميتافيزيقيا وما فيه من عالم الماورائيات إلى عالم النتاج الاجتماعي، وأُزيحَ اللهُ جلَّ وعلا من المعادلة؛ ليحلَّ الإنسان بدلاً منه في تفسير كلّ هذه الظواهر وما يماثلها.

ثمَّ سارت الظاهرة الاجتماعية، وتصدَّى لها الفرنسي دوركهايم (1858ــ1917) ليؤكدَ على نمط الأخلاق والقيم المعيارية؛ كالشرِّ والسعادة والعدالة وأمثالها، بطريقة تخرجها عن واقع الثبات إلى أن تكون متحركة وفق متطلبات الواقع الاجتماعي، ثم لحق به النمساوي سيغموند فرويد (1856ــ1939) ليعملَ على تدنيس القيم المعنوية؛ كالدين والأخلاق وعموم الظواهر الاجتماعية، من خلال إرجاعها إلى العامل الجنسي وعقيدته عن الطوطم وعلاقته بالمحرم.

إنَّ هذا السرد التاريخي الموجز لبعضٍ من الفكر الاجتماعي، يجعلنا أمام التساؤل الآتي: إذا كان الواقع الاجتماعي هو الذي سيتحكم بتشكُّل الظاهرة الاجتماعية، فمن هو الذي يُسيِّر هذا الواقع؟ وربما لنا أن نسأل عن تشكّل هذا الواقع نفسه، هل هو نتيجة تفاعل المجتمع وأفراده؟ أو يمكن لهذا الواقع أن يتشكلَ نتيجة صناعة محترفة، فتفرض ما ليس بواقع على أنه كذلك، وتُقنع به الآخرين؟ فتتحوّل الحالات الخاصة والمحدودة عندئذ الى ظاهرة. أمام هذه الاسئلة، لن نجدَ عبارة نيتشه عن الإنسان الأعلى بعيدة عن الجواب، ولكن هويّة هذا الإنسان ستكون متحركة؛ فتارة الديكتاتور، وأخرى العنصر، وثالثة الحزب، ورابعة القوم، وخامسة اللون وأمثال هذه التصنيفات، ولكن يبقى السؤال ذاته يتجدد حينما نُحددُ وصفاً من هذه الأوصاف؛ إذ لابد من معرفة المتحكم الواقعي بأيِّ وصفٍ نختاره من هذه الأوصاف، ولابد من أن نخرج من التوصيف العام إلى التخصيص، وعندئذ سيكون المتحكّم هم الفئة الأقل؛ والتي يرتضيها هذا الصنف أو ذاك. ولكن من الذي سيأتي بهذه الفئة إلى هذا الموقع المخصص وينتزعها من أن تكون من عوام الناس؟ فالديمقراطية، على سبيل المثال، تأتي بالفئة الخاصّة نتيجة الانتخاب، ولكن هل ثمّة من يتحكَّم بالديمقراطيات؟ سيجيبنا الواقع بأنَّ المتحكمَ بالانتخابات هو المُسيطر على الرأي العام، وفي يومنا هذا لا شكّ أنَّ الإعلامَ وأساليب السيطرة على العقول هي التي تسيطر إلى حدٍّ بعيدٍ على رسم اتجاهات الرأي العام، والإعلام لا يتحرك لوحده، وإنّما تحركه السياسة، ولا سياسة دون المال.

إنَّ المرادَ ممَّا تقدم أن نعرفَ أنَّ وجودَ ظاهرةٍ في زمان غياب القيم الثابتة لا بدّ من تعليله بإرادة المتحكمين، وهنا لا بد من ملاحظة تأثير أصحاب الرساميل الكبرى على وجودهم في سدّة الحكم؛ إذ من الواضح أنَّ الديمقراطيات الغربية في أعماقها ليست نتاجا لعقد اجتماعي كما يذهب إليه أصحاب نظرية العقد الاجتماعي، وإنَّما هي نتاج للاتفاقيات التي تعقد بين القوى السياسية وأصحاب التمويل لها، وهذه الاتفاقيات هي التي تأتي بمن يحتلُّ محلَّ التحكُّم بعامة المجتمع، والأمرُ عينه نلاحظه في نشأة الديكتاتوريات مهما كان شأن هذه الديكتاتوريات، فهي إن لم تستهويها حركة المال سيستهويها هوس القوّة والسلطة، أو أيِّ عامل من العوامل الخاضعة للمثل النسبية المتحركة غير الثابتة.

وبالرجوع إلى ظاهرة الشذوذ الجنسي، سنجد الفرنسية سيمون دي بورفوار (1905ــ1986) وتأكيداتها على أنَّ الواقعَ الخلقي البيولوجي لا يُحددُ الأنوثة والذكورة في الإنسان، بل إنَّ المجتمعَ هو الذي يُحدد ذلك، وبالرغم من أنَّها ليست الأولى في هذا المضمار، إذ سبقها النمساوي كارل رايموند بوبر (1902ــ1994)، ولكن كلام دي بورفوار ليس إلَّا نتاجاً لمسار صناعة الظاهرة الاجتماعية بيد القوى المُتحكمة في الواقع الاجتماعي، والتي رأيناها كيف ألجأت المرأة الأوربية إلى أن تهجر بيتها إلى المصانع والمعامل والمزارع، بسبب أغراض الحروب وتجارتها.

لم تكن دي بوفوار وحيدة عصرها في الشذوذ الجنسي، ولكنها مع كُلَّ ذلك بشَّرت بظواهر لاحقة ربما تلحق بما كانت عليه فقالت: بأنَّ شكلاً جديداً للشهوانية في طريقه إلى الظهور، وربما سينتج أساطير جديدة (الجنس الآخر 1: 314). ولم تكن مغالية في هذا الوصف، فما دام أنَّ الظواهرَ تنتجها رغبات الواقع الاجتماعي وضغوطه، وما دام أنَّ القيمَ المعنوية والروحية قد حُكم عليها بالموت في حضارة الإنسان الأوروبي وترك الأمرَ لإفرازات الواقع، فمن الطبيعي أن تبقى الشهوات تفرز أنماطاً جديدةً لما يُعبر عنه، أو تحيي ما كان قديماً. وفي كُلِّ الأحوال ما دام أنَّ الجنسَ قد استبيح فعلينا دوماً أن نتلقى إفرازات إباحته هذه.

ولكن هذه الظاهرة لن تكون بعيدةً عن التوجيه السياسي وأغراض اللعبة السياسية، فما دام الجنسُ يُمثِّلُ ساحةً مشتركةً بين البشر، وهو من أقوى الرغبات تاثيراً وتحكُّمًا بين البشر،  فإنَّ أية رغبة في التحكُّم بالأمم ستجد في الجنس ساحة خصبة لتنفيذ ذلك.

إنَّما عرضه بوبر وسيمون دي بوفوار في شأن عزو الذكورة والأنوثة للمجتمع، سينسجم مع الرغبات الشاذة بشكل مباشر، وبالتالي ستنشأ لدينا أنماطٌ جنسيةٌ تحددها الرغبة والشهوة، ومعها سيكون من اللازم النظر إلى الجنس من خلال النمط الذي أنشأه المجتمع، وإلى هذا التفكير يُعزى تطور مفهوم التنوع الاجتماعي الجنسي، من الذكورة والأنوثة إلى كل نوع يرغب باختياره الإنسان الجنسي. وعلى ضوء ذلك تطور مفهوم الجندر (Gender) من توصيف الهويّة الجنسية، إلى توسعتها لكل نوع يختاره الواقع الاجتماعي لهذا الإنسان أو ذاك. ومن هنا، تكاثر توصيف النوع الاجتماعي من الذكر والأنثى، إلى عشرات الأنواع التي تحاول ثقافة الجندر أن تشملها بمظلتها، والأمرُ لن يقفَ عند اللواط والسحاق وأنواع التخنّث فحسب، بل يمتدُّ إلى السادية والمازوشية والجنس الحيواني والتشبُّه بالحيوان؛ كما هي ظاهرة الكلاب البشرية، والخنازير البشرية، والقطط البشرية، والخيول البشرية، وما شابهها. وما من ريبٍ إنَّ الشهوةَ حينما تكون مطلقة بهذا الشكل فيمكن للنوع الاجتماعي أن يتبدلَ بين مُدَّة وأخرى؛ فمن كان يشتهي أن يُمثّلَ دور الإناث في الليل يمكن أن ينقلب في الغد نمطاً آخر، وهكذا.

على أنَّ خطورةَ الجندر تتمثَّلُ بما يستتبع عملية تثبيت النوع الاجتماعي؛ إذ إنَّ ذلك يستدعي؛ أوّلاً: عدم إدانة ظواهر الشذوذ وتجريمها، ثم يستدعي التطبيع معها، ثم يتطلب المساواة بينها وبين الأنواع الاجتماعية الأخرى؛ فلو كان الحقُّ بالزواج والإرث والطلاق وما إلى ذلك هو للذكر والأنثى، فإنَّ زواجَ المثل أي الذكر مع الذكر، والأنثى مع الأنثى، بل والزواج بين الإنسان والحيوان ستلحق به كلّ ما يترتب من حقوق جرّاء هذا الزواج! وقد أرتنا المحاكم الأمريكية والأوروبية أخيراً نماذج تبكي الثكلى على المدى الذي وصلت إليه حالة التردِّي الفطري هذه!

إنَّ الحديثَ عن هذه المساواة تدخلك مباشرة إلى اتفاقية سيداو التي تخوض الولايات المتحدة وحلفاؤها حرباً واسعة النطاق من أجل تعميمها على الدول، وما يتمخض عنها ببساطة هو كُلُّ ما أشرنا إليه من حقوق النوع الاجتماعي ضمن حدود ثقافة الجندر التي تنادي بها تيارات الحداثة وما بعد الحداثة.

ويجب على الباحث ألَّا يتوقفَ عند ذلك، وإنَّما عليه أن يتابعَ الأمر من جهة نتائج ذلك ومخرجاته والآثار التي ستتركها عملية قوننة (جعلها قانونية) الشذوذ والتطبيع معه على الواقع الاجتماعي، أو قلَّما هي الأجندة الحقيقية التي تتخفى وراء الاندفاع المحموم إلى السياسية الأمريكية والأوربية لتعميم ثقافة الشذوذ في المجتمعات الرافضة له؟

ولا نحسبُ أنَّ أدنى درجات الوعي سيكون من العسير عليها اكتشاف أنَّ كلَّ ذلك يجري بعيداً عن أية نزعة إنسانية لإنصاف من تعرَّض للنبذ والعزل والإدانة من هذه المجتمعات في نفوس هؤلاء؛ إذ يكفي أن تطلَّ على ما يجري في غزّة لوحدها لترى هول الجرائم التي يرتكبها هذا الذي نفسه يتباكى على حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، لتعرفَ أنَّ مثل هذه النزعة لا وجود لها أبداً في أجندة هؤلاء.

كما أنَّه ليس من الصعب اكتشاف الآثار الاقتصادية الهائلة التي ستجنيها صناعة الشذوذ إن في مجال الدعارة أو في مجال أدوات الجنس بكل أشكاله أو في الصناعات الدوائية والهرمونية أو في مستشفيات التحوُّل الجنسي، وهكذا تمتد السلسلة لتستحدثَ في كُلِّ يوم منبعاً غزيراً للمال المختلس من جيوب من يخضعون لذلك.

وليس من الصعب معرفة ما يحدثه ذلك من زعزعة وتخريب في منظومة القيم والمفاهيم المعنوية والمعايير التي تُمثل دعامة أساسية من دعامات التماسك الاجتماعي والضبط الاجتماعي في الأمم الرافضة للشذوذ وثقافاته.

وما بين الأبعاد السياسية لصناعة الظاهرة، وأبعادها الاقتصادية، نضع أيدينا على أمر في غاية الخطورة، وهو قيام تحالف السلطة مع المال، بدعم مئات الباحثين لإنتاج أبحاثٍ مختلقةٍ تحت عنوان: "الأبحاث العلمية"، في عملية تحيُّز علمي واضح بل فاضح، لإضفاء العلمية على الانحرافات الجنسية، ومن خلال ذلك نفهم أنَّ تكبيرَ حجم الانحراف وتبريره، لتحويله إلى ظاهرة، بل وعولمته، ليس في الحقيقة سوى خديعة.

والسلسلة تطول في ذلك، ومع كلّ يوم لنا أن نتوقع رؤية التأثيرات الجمَّة في هذا المجال، ناهيك عمَّا سيستجدُّ في المستقبل من مظاهر تفرزها عملية استفحال هذه الظاهرة؛ ولكننا نحسب أن مكمن السياسة هنا يجب أن يُولى أهميةً قصوى، فهي التي تكمن وراء هذا الاندفاع والحماس في السياسات الأمريكية، ومن يتصوّر أنَّ هذا الأمرَ بعيدٌ عن عملية الحرب الناعمة التي تستهدف سلب قدرات الأمم وإنهاكها من دون إرسال الجيوش وصرف الأموال على الطريقة الاستعمارية السابقة، فهو واهمٌ كبيرٌ.

لن نُطنبَ في الحديث أكثر، ولكن نكتفي بالقول بأنَّ السياسةَ الاستكبارية المعاصرة تعاني اليوم من استمرار ارتباط الإنسان بالقيم المعنوية وبالمبادئ والقيم، فتجعله يعمل بمفاهيم التضحية ونكران الذات وما إلى ذلك من الأمور التي تجعله يقف ضد أيِّ عملية استباحة لأمته أو اعتداء عليها، ولا علاج لذلك إن بقي الإنسان اجتماعياً لا يعيشُ الاغتراب الذاتي، فكان الحلُّ الأمثل عند الغرب، هو في توجيه الإنسان إلى أن يعيشَ حالة الفردانية وغربة الذات التي تُنمِّي عنده التفكير بذاته قبل أن يُفكرَ بأيِّ شيءٍ آخر، وتجريد هذه الذات بالتدريج من أيِّ اهتمامٍ بالآخرين، وصولاً إلى تحويله إلى أناني النزعة بشكل كامل، وتجريده من المثل والقيم التي تشدُّه إلى الآخرين؛ كالأسرة والأرحام والجيران، فضلاً عن الدين والأمة والوطن ومثيلها، عندئذ سيجدُ الغربُ نفسه أمام عائد كبير:  لأنَّ الأمةَ التي يتجه أفرادها إلى تلك السلوكيات، سيسهل تسييرها وتوجيهها؛ لأنَّ مناعتها قد تداعت، وحصونها قد هُدِّمت، وشهامتها قد هُشمت، ومروءتها قد تلاشت،  وأعراضها قد استُبيحت، فلا غيرةـ ولا حميّة، ولا قيم. عندها، ستخضع الأمة لاعتبارات سبق إليها المستكبر وملك أزمّتها؛ فهو يملك المال ويملك القدرة ويملك أسلحة الموت، وكلها لا يمكن أن تجابهه النفسية الفردانية أو الأنانية، والتي ستجد الاستسلام تخلُّصاً من الضيق الذاتي عملية مبررة ومقبولة، وبعبارة أخرى تنشأ لديه قابلية الذل والاستسلام.

ولو أمعنا النظر في ظاهرة الشذوذ في نزعتها لأن يعيشَ الإنسانُ بعيداً عن القيم، ولو نظرنا إلى بقية الظواهر التي تعملُ هذه الدول على نشرها في مجتمعاتنا؛ كالإلحاد والتزام الحالة اللادينية والجرأة على الأخلاق والقيم المعنوية، ناهيك عن نشر الدعارة والمخدرات وأمثالها، وما تنتجه هذه المظاهر من توجيه الإنسان إلى الحالة العدمية أو العبثية، نعلم تماماً لماذا جاءت كُلُّ هذه المحاولات بطريقة ممنهجة ومتزامنة وفق جدول زمني مدعوم بالمال السخي، والإعلام الواسع، وبدعمٍ من منظمات الضغط التي تنشئها هذه الدول تحت ستار منظمات المجتمع المدني (NGO).

إنَّ الشذوذَ وسائرَ المظاهر التي ترعاها هذه الدول باسم حقوق الإنسان وحرية الرأي ومعاداة التمييز بين البشر، هي في واقعها حرب لأممٍ تريد أن تستأثرَ وتتغطرسَ على أمم تريد أن تنهضَ، بغية نهب مواردها وحرمانها من مكتسباتها.. ولهذا جاءت (مجلة أمم) لتُركِّزَ على كُلِّ ما من شأنه أن يُحرِّرَ أمتنا من ربق السياسات المناوئة والمعادية لنهضتها ورقيّها وتعزيز كرامتها واقتدارها.

على أنَّ الشذوذَ الجنسيَّ ليس إلَّا ظاهرة واحدة، ومفردة من مفردات مشاريع الهيمنة الغربية، وقد وقع الاختيار عليه، ليكونَ موضوعًا للعدد الأول من مجلتنا "أمم"، بسبب حساسيته الفائقة من جهة، وملامسته لقضيةٍ تُمثِّلُ جوهرَ وعمقَ الإنسان، أعني فطرته، ولما شهدته الساحات العالمية مؤخرًا، من جدالٍ حادٍ حوله.

إنَّ مجلةَ أُمم، كما عبَّرت في هويتها وشعارها، تُعنى بشكلٍ أساسيٍّ بنقد الرؤى الغربية المرتبطة بالانسان والاجتماع في مختلف مجالاته، وفي الوقت نفسه السعي إلى تقديم رؤى تأصيلية من الموضوعات التي سنقاربها.

إنَّنا إذ ندعو الله أن يوفقنا في رسالتنا هذه، فإنَّنا نتمنى ألَّا يبخلَ علينا القارئ بملاحظاته ومقترحاته،

فإنَّ المهمةَ شاقةٌ وصعبةٌ، وتحتاج إلى تكاتف الجميع، في سبيل تحقيق النهضة المنشودة.

 

التعليقات


messages.copyright © 2023, امم للدراسات الانسانية والاجتماعية