أَوَّلُ الكَلَامِ: الكِيَانُ المَارِقُ، الغَرْبُ المُتَصَهيّن وَالشَّيطَانُ الأَخْرَسُ
رئيس التحرير
د. محمد محمود مرتضى
مُنذ نشأتِها، شكَّلت الصُّهيونيَّةُ أحدَ أكثر المشاريع الاستعمارية إثارةً للجدل في العصر الحديث، حيثُ اعتمدت على مَزيجٍ من الأساطير الدينيَّةِ والأيديولوجيات القوميةِ والاستعماريَّةِ لتبرير سيطرتها على فِلسطين. وعلى الرَّغم من محاولاتها المستمرة لتقديم نفسها كحركةِ تحررٍ قوميّ لليهود، إلَّا أنَّ واقعَها يكشف أنَّها حركةٌ استيطانيَّةٌ إحلاليَّةٌ، قامت على تهجير السُّكان الأصليين وإحلال المستوطنين مكانهم، تمامًا كما فعلت القُوى الاستعماريَّةُ في القرنين التاسع عشر والعشرين.
اليوم، ومع تصاعُد الوعي العالمي حول جرائم الاحتلالِ "الإسرائيلي"، أصبح من الضروريّ إعادة فحص الجذور الأيديولوجية للصُّهيونيَّة، وفَهم كيف تم التلاعب بالنُّصوص الدينيَّة اليهوديَّة لإضفاء شرعية على مشروعٍ استعماري عُنصري. كما أنَّ تحليلَ العلاقةِ بين الصُّهيونية والفِكر الغربيّ المعاصر يُساعد على كشف التَّحالفاتِ السياسيَّةِ والفِكريةِ التي دعمت هذا المشروع على حساب الحقوق الفلسطينيَّةِ.
الصُّهيُونِيَّةُ بَينَ الأُسطُورَةِ وَالوَاقِع
لَطالَمَا حاولت الدعايَّةُ الصُّهيونيةُ ترسيخَ عِدَّةِ مفاهيمَ زائفةٍ حول مشروعها، كان أبرزها:
"إسرائيل دولة صغيرة مهددة"، في حين أنَّها قوةٌ نوويَّةٌ إقليميَّةٌ مدعومةٌ من الغرب.
"إسرائيل واحة الديمقراطيَّة في الشرق الأوسط"، بينما هي في الحقيقةِ نظامُ فصلٍ عُنصري (أبارتهايد) يُمارس التَّمييز العِرقي ضِدَّ الفلسطينيين والعرب.
"إسرائيل نشأت نتيجة الهولوكوست"، رغم أنَّ المشروعَ الصُّهيوني كان قائمًا قبلَ الهولوكوست بوقت طويل، وكان جزءًا من الاستعمار الأوروبي لفِلسطين.
إنَّ هذه الأكاذيبَ لم تكن مجردَ دعايَّةٍ سياسيَّةٍ، بل أُنتجت ثقافيًّا وفِكريًّا داخل دوائر الفِكر الغربي والصُّهيوني، وهو ما سمح "لإسرائيل" بالحصول على دعمٍ غير مشروطٍ من القُوى الكُبرى، والاستمرار في ممارساتها العُدوانيَّة دون مساءلةٍ دوليَّةٍ.
الصُّهيُونِيَّةُ فِي سِيَاقِهَا الاِستِعمَارِيّ
عند النَّظر إلى الصُّهيُونِيَّةِ في سياقها التَّاريخي، نجد أنَّها ليست حركةً يهوديَّةً بقدر ما هي مشروع استعماري غربي، تمَّ زَرعه في فلسطين لخِدمة المصالح الأوروبيَّة والأمريكيَّة. فقد دعمت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الصهيونية ليس حبًّا لليهود، بل لأنَّها وسيلةٌ لإحكام السَّيطرةِ على الشَّرقِ الأوسط وتقسيمه بما يخدم المصالحَ الغربيَّة.
كما أنَّ الصُّهيونيَّةُ ليست سوى نَموذج جديدٍ من الاستعمار الإحلالي الذي شهدناه في:
- الولايات المُتحدَة: إبادةُ السُّكانِ الأصليين وإحلال المستوطنين الأوروبيين مكانهم.
- جنوبُ إفريقيا: إنشاءُ نظامِ فصلٍ عُنصري يمنحُ حقوقًا مُطلَقة للمستوطنين الأوروبيين ويَحرم السُّكانَ الأصليين منها.
- الجزائرُ تحت الاستعمار الفرنسي: محاولةُ طمسِ الهُويَّةِ الوطنيَّةِ للسُّكان الأصليين واستبدالهم بالمستوطنين الفرنسيين.
إنَّ الصُّهيونيَّةَ ليست استثناءً من هذه المشاريع الاستعمارية، بل هي امتدادٌ لها في العصر الحديث، وهو ما يفسر استمرارَ الدعمِ الغربي لها رغم انتهاكاتها الواضحةِ للقوانين الدوليةِ.
نَحوَ تَفكِيكِ الخِطَابِ الصُّهيُونِيّ
إنَّ تَفكيكَ الأساطير الصُّهيونيَّة ليس مجردَ مسألةٍ فِكريَّةٍ أو أكاديميَّةٍ، بل هو ضرورةٌ سياسيَّةٌ وأخلاقيَّةٌ لمواجهةِ الاحتلال "الإسرائيلي" وإنهاءِ مُعاناة الفلسطينيين. فلا يُمكن لأيّ نظامٍ عُنصريّ أو استعماري أنَّ يستمرَّ إلى الأبدِ، كما أثبتت التجاربُ السَّابقة،ُ بدءًا من سقوط الأبارتهايد في جنوبِ إفريقيا، وحتى إنهاء الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
الصُّهيُونِيَّةُ وَالجُذُورُ التَّورَاتِيَّةُ وَالتَّلمُودِيَّةُ: الأُسطُورَةُ المُؤسِّسَةُ
لَطالما حاولت الصُّهيونِية تقديمَ نفسِها كحركةٍ قوميَّةٍ حديثةٍ تهدف إلى "عودة الشعب اليهودي إلى أرضه التاريخية"، غير أنَّ هذا الادعاءَ يرتكز على تأويلاتٍ دينيَّةٍ منحازةٍ للنُّصوص التَّوراتيَّةِ والتَّلمودية. فمنذ ظهورها، أعادت الصُّهيونية قراءةَ التَّوراةِ والتَّلمودِ بطريقةٍ انتقائيَّة، مستندة إلى مفاهيم مثل "الشعب المختار" و"أرض الميعاد"، لتبرير الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، وإضفاء طابع قُدسي على مشروعها الاستعماري.
لقد شكَّلت هذه النصوص الأُسطورةَ المُؤسِّسة للصُّهيونية، حيثُ استخدمت ليس فقط لإضفاءِ شرعيَّةٍ دينيَّةٍ على المشروع الاستيطاني، بل أيضًا لإقناع الرأيّ العام اليهوديّ والدوليّ بأنَّ احتلالَ فلسطين هو تنفيذٌ لإرادَةٍ إلهيَّةٍ، وليس مجردَ عمليَّةٍ استعماريَّةٍ مدعومة من القُوى الغربيَّةِ. وفي هذا السِياق، يهدف هذا المَبحثُ إلى تحليلِ كَيفيَّةِ توظيفِ الصُّهيونيَّة للنُّصوصِ الدينيَّة اليَّهوديَّة، والتلاعب بها لخدمةِ مشروعِها السياسيّ، وتسليطِ الضوءِ على التَّفسيراتِ الحاخاميَّةِ التي أعطت بعدًا "شرعيًّا" للقتلِ والاستيطانِ والطَّردِ القَسري.
التَّوظِيفُ الصُّهيُونِيُّ لِلنصوص التوراتية
تُعدُّ التَّوراةُ المصدرَ الأساسيَّ الذي اعتمدت عليه الصُّهيونيَّةُ لتبريرِ احتلال فلسطين، حيثُ تمَّ التَّركيز على نصوصٍ تُعزّز فكرةَ أنَّ الأرضَ مُخصَّصةٌ لليهودِ وحدهم. ففي سِفر التَّكوين ورد:
"لنسلِك أُعطي هذه الأرض"[1]. تمَّ استخدام هذا النَّص في الخِطاب الصُّهيوني للتأكيدِ على أنَّ فلسطينَ ليست أرضًا عربيَّةً، بل هي "هِبة إلهية" لليهودِ، وبالتَّالي فإنَّ أيَّ وجودٍ فلسطينيّ فيها يُعتبر غيرُ شرعيّ. وقد قال (دافيد بن غوريون): "إنَّنا نستمد حقوقَنا في هذه الأرض من التَّوراة، فقد أعطاها الله لآبائنا".[2]
التَّبرِيرُ الدّينِيُّ لِلعُنفِ وَالتَّطهِيرِ العِرقِيّ
إلى جانبِ فِكرة "وعد الأرض"، استخدمت الصُّهيونيَّة النُّصوصَ التَّوراتيَّةُ التي تدعو إلى إبادةِ الشُّعوبِ الأُخرى، لتبريرِ المجازر ضدَّ الفلسطينيين. ففي سفر يشوع، جاء: "لا تتركوا نَفسًا حيَّةً، بل استأصلوا كلَّ ما في المدينةِ، الرجال والنساء، الأطفال والشيوخ، حتى البهائم، بحدّ السَّيف".[3]
تمت إعادةُ تفسيرِ هذه النُّصوص في الفِكر الصُّهيوني على أنَّها أوامرُ إلهيَّةٍ دائمةٍ، ممَّا جعل العُنفَ ضِدَّ الفلسطينيين ليس فقط مقبولًا، بل واجبًا دينيًّا. وهذا ما أكده الحاخام (إسحق غينسبيرغ)، حيثُ قال:
"قتل غير اليهود ليس جريمةً، بل هو تنفيذٌ لوصايا الرَّب بحماية الأرض المقدَّسة"[4].
في حين استُخدمت التَّوراةُ كأساسٍ لتبريرِ الاستيطان، لعب التَّلمودُ دورًا رئيسيًّا في إضفاء شرعيَّةٍ دينيَّةٍ على مُعاملةِ الفلسطينيين كـ"أغيار" يجب إخضاعهم أو طردهم. ففي التَّلمود البابلي ورد:
"أنتم تُدعون الإنسان، أمَّا الأُمم الأخرى فليست إلا بهائم"[5].
تم تبني هذا التصور داخلَ الفِكر الصُّهيوني، ممَّا أدَّى إلى سن قوانين "إسرائيلية" تُعامِل الفلسطينيين كمواطنين من الدَّرجةِ الثَّانيةِ، وتَحرمهم من حقوقهم الأساسيَّةِ. كما أنَّ العديدَ من الحاخامات أكدوا على هذه الفِكرة، مثل الحاخام موشيه "فايجنر"، الذي قال:
"كلُّ فلسطيني في أرض ’إسرائيل‘ هو دخيل يجب طرده، وإذا قاوم فدمه مباح"[6].
الأُسطُورَةُ المُؤَسِّسَةُ لِلصُّهيُونِيَّةِ بَينَ الدّينِ وَالاِستِعمَارِ
يتَّضحُ من خلال هذا التَّحليل أنَّ الصُّهيونيَّةَ ليست مجردَ حركةٍ سياسيَّةٍ، بل هي مشروعٌ استيطانيٌّ إحلاليٌّ استند إلى التَّفسيرِ المُتعمد للنصوصِ الدينيَّةِ، بحيثُ يتم تقديم الاستيطان والقتل كـ"وصايا دينيَّةٍ" يجب تنفيذها.
لقد وظَّفت الصُّهيونيَّةُ التَّوراةَ والتَّلمودَ ليس فقط لإضفاء شرعيَّةٍ على احتلال فلسطين، بل أيضًا لتبرير العُنف المنهجي ضدَّ الفلسطينيين، وإضفاء بُعد قُدسيّ على الجرائم "الإسرائيلية". ومن خلال التفسيرات الحاخاميَّة، تَحوَّل المشروعُ الصُّهيوني إلى نظامٍ عُنصريّ إحلاليّ يُمارس التَّمييزَ العِرقِي، ويستخدم الدّينَ كسلاحٍ لتبريرِ الإبادةِ الجماعيَّةِ.
إنَّ تفكيكَ هذه الأسطورة المُؤَسِّسة للصُّهيونيَّة لا يتطلب فقط فضحَ زيفِ المُبررات الدينيَّة، بل أيضًا التأكيد على أنَّ القضيَّةَ الِفلسطينيَّةَ ليست مجردَ صراعٍ دينيّ، بل هي نضال ضدَّ مشروعٍ استعماري مدعوم بأيديولوجيا عُنصريَّة دينيَّة.
المَجَازِرُ الصُّهيُونِيَّةُ: العُنفُ كَوَسِيلَةٍ لِتَحقِيقِ الأَهدَافِ السّيَاسِيَّةِ
مثَّلت نكبةُ 1948 أكبرَ عمليةِ تطهيرٍ عِرقي في القرن العشرين، حيثُ قامت العِصاباتُ الصُّهيونيَّةُ المُسلحةُ مثل "الهاغاناه" و"شتيرن" و"الأرغون" بتهجير أكثر من 750 ألفَ فلسطيني قسرًا، وتدمير أكثر من 500 قريةٍ فلسطينيَّةٍ، وارتكاب مجازر جماعية بحقّ السُّكان الأصليين.
بعد النكبة، واصلت "إسرائيل" سياسةَ الحرب الدَّائمة كوسيلةٍ لتوسيعِ سيطرتها الجُغرافية وترسيخ وجودها، حيثُ شنَّت عِدَّةَ حروب عُدوانية، من أبرزها:
حرب 1956 (العدوان الثلاثي): تحالفت "إسرائيل" مع بريطانيا وفرنسا لضربِ مصرَ والسيطرةِ على قناة السويس، ممَّا كشف عن دورها كأداةٍ استعماريَّةٍ غربيةٍ في المِنطقة.
حرب 1967 (النكسة): احتلت "إسرائيل" الضفة الغربية، قطاع غزة، سيناء والجولان، وارتكبت مجازرَ بحقّ الفلسطينيين، مثل: مجزرة اللد التي قُتل فيها أكثر من 500 فلسطيني.
الاجتياحُ "الإسرائيلي" للبنان (1982): حيثُ دَعمت "إسرائيل" مجزرةَ صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها أكثر من 3000 لاجئٍ فلسطينيّ، بتمويلٍ وإشرافٍ مباشر من وزير الدفاع "الإسرائيلي" آنذاك (أرييل شارون).
العُدوَانُ المُستَمِر عَلَى غَزَّةَ: "إِبَادَةٌ بَطِيئَةٌ"
مُنذ انسحابِ "إسرائيل" المزعوم من قطاع غزة عام 2005، تحوَّل القطاعُ إلى سجنٍ مفتوحٍ، حيثُ شنَّت "إسرائيل" عِدَّةَ حروبٍ مدمِّرة على المدنيين، منها:
حرب 2008-2009: أسفرت عن استشهاد 1400 فلسطينيّ، معظمهم من النّساءِ والأطفال، وتمَّ خلالها استخدامُ الفُسفُور الأبيض المُحرَّم دوليًّا.
حرب 2014: قُتل خلالها 2200 فلسطيني، وتمَّ تدمير آلاف المنازل، في واحدةٍ من أكثرِ الهجمات "الإسرائيلية" وحشيَّةٍ.
حرب 2021: أسفرت عن مئات الشُّهداء وتدمير كامل للبِنية التَّحتية في غزة، تحت ذريعة "الدفاع عن النفس".
وأخيرًا حرب 2023: التي دمَّرت الجزءَ الأكبرَ من غزة، وأعدمَت كلَّ مُقومات الحياةِ فيها، وأدَّت إلى استشهاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، يمثل النساء والأطفال جزءًا وازنًا منها.
يتَّضحُ ممَّا تقدَّم أنَّ العُنفَ الصُّهيوني ليس مجردَ ردِ فِعل دفاعي، بل هو سياسةٌ مُمنهجةٌ تقوم على الإبادة الجماعيَّةِ والتطهيرِ العِرقي، وفق رؤية دينيَّة مُتطرفةٍ تمنحُ الاحتلال "الإسرائيلي" شرعيَّةً "إلهيَّة" مزعومةً. إنَّ استمرارَ هذه الجرائم دون محاسبةٍ دوليَّةٍ يعكس ازدواجيةَ المعايير الغربيَّةِ، ويؤكد أنَّ تفكيكَ الفِكر الصُّهيوني ضرورةٌ عالميَّةٌ، لأنَّ بقاءَه يعني استمرارَ الظلمِ والدَّمارِ في فلسطين والمِنطقة.
الصُّهيُونِيَّةُ وَالفِكرُ الغَربِيُّ مَا بَعدَ الحَدَاثِي: تَحَالُفُ الأَيدُيُولُوجِيَّات
لم تكن الصُّهيونيَّةُ مجردَ مشروعٍ استيطاني مدعوم بالقُوَّة العسكريَّة فقط، بل كانت أيضًا نتاجًا لتحالف فِكريّ مُعقد بين الاستعمار الغربيّ والفِكر الحَدَاثي وما بعد الحداثي. فمُنذ ظهورها في أواخر القرن التاسع عشر، استفادت الصُّهيونيَّةُ من الخِطابات الفِكريَّة الغربيَّة التي برَّرت التوسعَ الإمبرياليّ، والتَّفوق العِرقي، واحتلال أراضي الشُّعوبِ الأصلية. ومع تطوُّر الفِكر الغربيّ نحو ما بعد الحداثَةِ، استمرت الصُّهيونيَّةُ في إعادة تشكيلِ خِطابها لتتناسبَ مع السّياقات الفِكرية والسياسيَّةِ الجديدةِ، ممَّا مكَّنها من كسب دعم واسع داخل الدوائر الأكاديمية والسياسية الغربية.
الاستِعمَارُ وَالصُّهيُونِيَّةُ: الجُذُورُ المُشتَرَكَةُ
مُنذ إعلان "وعد بلفور" عام 1917، كانت الصُّهيونيَّةُ امتدادًا مباشرًا للاستعمار البريطاني في الشَّرق الأوسَط، حيثُ تبنَّت المُبررات نفسها التي استخدمتها الإمبراطوريات الاستعماريَّةُ الأوروبيَّةُ في تبرير سيطرتِها على الشُّعوب الأخرى. فقد اعتمد الاستعمار الأوروبي على فِكرة "المهمة الحضاريةMission Civilisatrice"، التي تدَّعي أنَّ الشُّعوبَ غير الأوروبيَّةِ غير متحضرة وتحتاجُ إلى التَّوجِيه الأوروبي.
وبنفس المنطق، استخدمت الصُّهيونيَّةُ فِكرةَ "إحياء أرض ’إسرائيل‘" لتبرير احتلال فلسطين، متجاهلةً وجود الفلسطينيين الذين عاشوا هناك لقرون. كما قال (تيودور هرتزل)، مؤسس الصُّهيونية:
"يجب أن نطرد العرب قليلًا قليلًا دون أن يشعروا بذلك"[7].
كانت الصُّهيونيةُ متوافقةً مع الرؤيةِ الإمبرياليَّةِ الغربية، حيثُ سعت القُوى الاستعماريَّة إلى زرع كيان استيطاني يخدُم مصالحها الإستراتيجيَّة في المِنطقة. وقد عبَّر (ونستون تشرشل) عن ذلك قائلًا:
"إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين سيؤَمّن لنا وجودَ حليفٍ موثوق به في قلب العالم العربي".[8]
كما أنَّ الدَّعمَ الأمريكي لـ"إسرائيل" لم يكن فقط بدافع تعاطفٍ ديني، بل لأنَّ "إسرائيل" تُعتبر نقطةُ ارتكاز إستراتيجية للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، حيثُ قال هنري كيسنجر: "إسرائيل هي الحاملة غير الرسميةِ للطَّائرات الأمريكية في المنطقة".[9]
الصُّهيُونِيَّةُ وَالاستِشرَاقُ الجَدِيدُ: تَشوِيهُ صُورَةِ الفِلَسطِينِيّينَ
كان الاستشراقُ أحدُ الأدواتِ الفِكريَّةِ التي ساهمت في تشويه صورةِ الفلسطيني والعربي، حيثُ صوَّرت الكتاباتُ الغربيَّةُ العربَ على أنَّهم متخلفون وغير قادرين على إدارة أنفسهم، مما جعلهم "غير مؤهلين للحكم الذاتي"، وبالتالي برَّر الاستعمار الأوروبي والصُّهيوني احتلال أراضيهم.
وقد أشار (إدوارد سعيد) في كتابه "الاستشراق" إلى أنَّ "الصُّهيونيَّةُ أعادت إنتاج صورةِ العربي كمُتخلف، ودمجتها في خطابِها السياسي لتبرير الاحتلال"[10].
مع صُعود الفِكر ما بعد الحداثي، تحوَّلت صورةُ العَربي من "المُتخلف" إلى "الإرهابي"، حيثُ استَخدَمت الصُّهيونيَّة الأدواتِ الإعلاميةَ الغربيةَ لإعادةِ رسم صورة الفلسطيني كتهديدٍ أمني عالمي. وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ازداد هذا الاتجاه، حيث رُبطت القضيَّةُ الفلسطينية بالإرهاب الإسلامي، مما منح الكيان الغاصب مبررًا إضافيًّا لقمع الفلسطينيين تحتَ ذريعةِ "مكافحة الإرهاب".
وقد قال (بنيامين نتنياهو) في هذا السياق: "حربنا ضد الفلسطينيين هي جزء من الحربِ العالميَّةِ ضِدَّ الإرهاب"[11].
الصُّهيُونِيَّةُ وَالنِيُولِيبرَالِيَّة: تَحَالُفُ المَصَالِحِ
مع تحوُّل الاقتصاد العالمي نحو النيوليبرالية، وجدت "إسرائيل" مكانَها كدولةٍ متقدمةٍ تكنولوجيًّا وعسكريًّا، حيثُ أصبحت شريكًا رئيسيًّا في الصناعات العسكريَّة والتكنولوجيا الأمنيَّة، ممَّا جعلها ذات أهميَّة إستراتيجيَّة كُبرى للولايات المتحدة وأوروبا.
وقد أشار (ناعوم تشومسكي) إلى ذلك بقوله: "’إسرائيل‘ ليست فقط قاعدة عسكرية للغرب، بل هي مُختبر لتطوير أدوات القمع التي يتم تصديرها عالميًا"[12].
وهكذا تحولت "إسرائيل" إلى مركز عالمي لصناعةِ أدوات القمع والمراقبة، حيثُ يتمُّ تصدير التكنولوجيا العسكريَّة "الإسرائيلية" إلى العديد من الأنظمة القمعيَّة حول العالم.
الصُّهيُونِيَّةُ كجُزءٍ مِن النِّظَامِ العَّالَمِيّ الجَدِيدِ
من خلال هذا التَّحليل، يتَّضح أنَّ الصُّهيونيةَ ليست مجردَ حركةٍ قوميَّة يهوديَّة، بل هي جزءٌ من النّظام الاستعماري والنيوليبرالي العالمي، حيثُ استفادت من الفِكر الغربي الحديثِ لتبريرِ وجودِها، سواء من خلال التبريرات الاستعماريَّةِ التقليديَّةِ، أو من خلال تحالُفها مع الاقتصاد النيوليبرالي والتكنولوجيا العسكريَّة.
إنَّ تفكيكَ الخِطاب الصُّهيوني لا يتطلب فقط كشفَ زيفِ الروايات الدينيَّةِ والسياسيَّةِ، بل أيضًا فَهم كيف تتماهى "إسرائيل" مع الّنظام العالمي الذي يخدم القُوى الكُبرى. وهذا يجعل مقاومةَ الصُّهيونيَّةِ ليست فقط مسؤوليَّة الفلسطينيين، بل جزءًا من المعركة العالميَّةِ ضِدَّ الاستعمار والاستغلال الرأسمالي.
الصُّهيونيَّةُ وَالتَّضلِيلُ الإِعلَامِيّ: كَيفَ يَتّمُّ إِخفَاءُ جَرِائِم "إسرائيل"؟
تَلعب الآلةُ الإعلامِيَّةُ الصُّهيونية دورًا رئيسيًّا في تبريرِ السياسات العُنصرية "الإسرائيلية"، من خلال التلاعب بالمصطلحات وتقديم الاحتلال وكأنَّه "نزاع" بدلًا من كونه "استعمارًا إحلاليًّا".
فقد نجحت "إسرائيل" في قلبِ المفاهيم والتلاعب بها؛ بحيثُ أصبحت الضحيَّةُ كالمُعتدي، والمعتدي يتم تصويره على أنه ضحيَّةٌ.
الضَّغطُ عَلَى المُؤَسَّسَاتِ الدَّولِيَّةِ لإِخفَاءِ الحَقَائِق
وتَستخدم "إسرائيل" اللُّوبيَّاتِ الصُّهيُونِيَّةَ للضغط على المؤسسات الدوليَّةِ ومنع أي تحقيق جاد في جرائمها، حيث تمَّ:
إفشالُ تقاريرِ الأُمم المُتحدة التي تصِف "إسرائيل" بأنَّها نظامُ فصلٍ عُنصري.
منع وسائل الإعلامِ الغربيَّة من تغطية المجازر "الإسرائيليَّة" بشكلٍ موضوعي.
تجريمُ أيّ انتقاد لـ"إسرائيل" عبر اتهامه بمعاداةِ الساميَّةِ.
لكنَّ الفَضيحةَ الأكبرَ تمثَّلت في معارضةٍ غربيَّةٍ واضحةٍ لقرار المحكمة الجِنائيَّة الدوليَّةِ التي أدانت رئيسَ الحكومة الصُّهيونيَّة (بنيامين نتنياهو)، ورفض مذكرة الاعتقال بحقه، بل والتهديد بفرض عقوبات على المحكمة والمسؤولين عن قرار الإدانة.
لِمَاذَا الصُّهيُونِيَّةُ حَرَكَةٌ لَا أَخلَاقِيَّة؟
يتَّضح ممَّا تقدم أنَّ الصُّهيونيةَ ليست فقط حركةٌ استعماريَّة، بل هي نظامٌ عُنصري إحلاليّ قائم على التَّمييز والتَّطهير العِرقي. فمن خلال تشريعاتها العُنصرية، وممارساتها الاستيطانية، وهيمنتها الإعلاميَّة، تسعى "إسرائيل" إلى فرض واقع استيطاني غير إنسانيّ، يتناقضُ مع كلّ القِيَم الأخلاقيَّةِ وحقوقِ الإنسان.
الصُّهيُونِيَّةُ وَمُستَقبَلُ الصّرَاعِ: إِلَى أَينَ؟
على مدار أكثر من قرن، استمرت الصُّهيونيَّةُ في فرضِ مشروعِها الاستيطاني الإحلالي، مستندةً إلى الدَّعمِ الغربي، والتبريرات الدينيَّةِ، والقُوة العسكريَّة. ومع ذلك، لم يتمكن هذا المشروع من القضاء على الهُوية الوطنيَّة الفلسطينية، التي لا تزال راسخةً رغم عمليَّات التَّطهير العِرقي والتَّمييزِ العُنصري والاستيطان المستمر.
لكنَّ السُّؤالَ الأهمَّ اليوم هو: ما مستقبل الصراع بين الصُّهيونية والعالمين العربي والإسلامي؟ وهل يمكن للمشروع الصُّهيوني أن يستمرَ في ظلّ المُقاوَمةِ وتغير موازين القوى الدولية والاعتراف العالمي المُتزايد بطبيعته العنصرية؟
نِقَاطُ القُوَّةِ وَالضَّعفِ فِي الَمشرُوعِ الصُّهيُونِيّ
- نِقَاطُ القُوَّةِ: لِمَاذَا لَا تَزَالُ الصُّهيُونِيَّةُ صَامِدَةً؟
على الرَّغم من طبيعتها العُنصرية والاستعمارية، لا تزال الصُّهيونيَّةُ تتمتع بعوامل قوةٍ تساهم في استمرارها، ومنها:
1- الدَّعم الغربيُّ المُطلق: حيثُ يستفيد الكيانُ الغاصب من الدَّعم السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ الأمريكي والأوروبي، مما يمنحها حماية دوليَّة تمنع محاسبتها على جرائمها ضد الفلسطينيين.
2- التَّفوقُ العسكريُّ والتكنولوجيُّ: تمتلك "إسرائيل" أحدَ أقوى الجيوشِ في المِنطقة، وتُسيطر على أحدث تقنيات التَّجسس والذكاء الاصطناعي، مما يُعزز قوتها الأمنية والاستخباراتية.
3- الهَيمَنَةُ الإَعلَامِيَّةُ وَالتَّضلِيلُ العَالَمِيُّ: من خلال اللُّوبيات الصُّهيونيَّةُ في الغرب، تسيطر "إسرائيل" على جزءٍ كبيرٍ من الإعلام الدولي، ممَّا يمكنها من تشويه صورةِ الفلسطينيين والتغطية على جرائمها.
4- الانقسامُ العربيُّ والإسلاميُّ: حيثُ تستفيد "إسرائيل" من حالة التشرذمِ السياسيّ والتطبيعِ العربي وانشغال الدول العربيَّة بأزماتها الداخلية، ممَّا يُقلل من الضغط السياسيّ عليها.
- نِقَاطُ الضَّعفِ: لِمَاذَا قَد تَنهَارُ الصُّهيُونِيَّةُ؟
لكن في المقابل، تُواجه الصُّهيونيَّة تحديات جوهريَّة تُهدد استمرار مشروعها على المدى البعيد، ومنها:
1- الفشلُ في تحقيق التفوُّق الديموغرافي: رغم سياسات التهجير والتمييز العنصري، لا يزال الفلسطينيون يشكلون نسبةً كبيرةً من السكان في فلسطين التاريخيَّة، مما يجعل المشروع الصهيوني يواجه أزمة وجودية طويلة المدى.
2- تَصَاعدُ المُقاومة الفِلسطينية: من غزة إلى الضفة الغربية، أثبت الفلسطينيون أنَّ المُقاومة ليست فقط عسكريَّة، بل أيضًا سياسيَّة وثقافيَّة واقتصاديَّة، ممَّا يجعل الاحتلال أكثر تكلفة لـ"إسرائيل".
3- تَغيُّر الموقف الدولي: رغم الدَّعم الغربي، هناك تزايد في الاعتراف الدولي بأنَّ "إسرائيل" تُمثل نظام فصلٍ عُنصري، كما أصدرت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تقارير تدين السياسات "الإسرائيلية" بوصفها "أبارتهايد".
4- الأزمةُ الدَّاخلية في "إسرائيل": تعاني "إسرائيل" من انقسامات سياسية عميقةٍ، حيثُ تصاعدت الخلافاتُ بين العِلمانيين والمتدينين، وبين المستوطنين والجيش، وبين اليمين واليسار، ممَّا قد يؤدي إلى تآكل الاستقرار الداخلي.
من الواضح أنَّ هذه الحكوماتِ الغربيَّةَ مُتصهينةٌ، ليس في سكوتها عن جرائم الصُّهيونيَّة، بل في دعمها المُطلق لها، وهو موقفٌ يُمثّل أقصى السقوطِ الأخلاقي أمامَ حكوماتٍ تخوضُ حروبًا وتُبيدُ شعوبًا بدعوى نشر الديمقراطيَّة والدفاع عن حقوق الإنسان، لكنَّ الموقفَ الغربي المتماهي مع الصهيونيَّةِ ليس غريبًا بسبب المشترك الثَّقافي بينهما، لكنَّ العجيبَ هو موقف بعضِ الأنظمةِ العربيَّةِ، التي ذهبت نحو التَّطبيع ليس بثمن بخس بل بشكل مجاني، على أنَّ بعضَها ذهب حد تقديمِ الدَّعم للكيان المارق، فيما أنظمة أُخرى لاذت بالصَّمت، واستكثرت حتى إدانة جرائم هذا الكيان في غزة ولبنان، رغم علمهم أنَّ السَّاكتَ عن الحقّ شَيطَانٌ أخرس.
وعلى أي حال، فقد جاء هذا العدد الخامس من مجلة (أُمم) ليُسلطَّ الضَّوءَ على هذه الصُّهيونيَّة، ويُفكك خِطابها، ويكشف ترابطها البنيوي مع الخِطاب الغربي المُتصهين في عمقه. وقد جاء هذا العدد في وقتٍ حسَّاس من تَّاريخ هذه الأمة، حيثُ حروب الإبادةِ التي شُنَّت على غزة ولبنان، بفظاظة غربية واضحة، وتجاهل لكل القوانين الدولية.
إنَّنا إذ نأمل أن ينالَ هذا العدد استحسان القُراءِ، فإنَّنا نَعتبر أنَّ ما قمنا به هو أقل الإيمان في نُصرةِ المظلومين والمستضعفين، والحد الأدنى من جهاد التبيين. وما توفيقنا إلَّا من الله العزيز الحكيم. ولله الحمد من قبل ومن بعد.
لَائِحَةُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِع:
- العهد القديم.
- إدوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، دار رؤية، الطبعة الثانية، القاهرة، 2014.
- إسحق غينسبيرغ، الشريعة والسياسة، دار النشر اليهودية، الطبعة الأولى، القدس، 2003.
- بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس، ترجمة إيلي بن غوريون، دار النشر اليهودية، القدس، 2015.
- التلمود البابلي، سنهدرين 37 أ؛ التلمود البابلي، ترجمة يوسف نصر الله، دار الحكمة، الطبعة الأولى، القاهرة، 2018.
- تيودور هرتزل، دولة اليهود، ترجمة محمد مصطفى، دار الفكر، الطبعة الثالثة، بيروت، 2010.
- ديفيد بن غوريون، مذكرات بن غوريون، ترجمة محمود عباس، دار الهلال، الطبعة الثانية، القاهرة، 1998.
- موشيه فايجنر، "إسرائيل" والتوراة، دار الفكر العبري، الطبعة الأولى، "تل أبيب"، 2005.
- ناعوم تشومسكي، الولايات المتحدة و"إسرائيل": تحالف المصالح، دار التنوير، الطبعة الثانية، بيروت، 2012.
- هنري كيسنجر، مذكرات كيسنجر، ترجمة محمود صلاح، دار الهلال، القاهرة، 2005.
- ونستون تشرشل، خطاب في مجلس العموم البريطاني، 1921.
[1] سفر التكوين، 12:7.
[2] ديفيد بن غوريون، مذكرات بن غوريون، ص 112.
[3] سفر يشوع، 6:21.
[4] إسحق غينسبيرغ، الشريعة والسياسة، ص 98.
[5] التلمود البابلي، سنهدرين 37 أ، ج 2، ص 56.
[6] موشيه فايجنر، "إسرائيل" والتوراة، ص 187.
[7] تيودور هرتزل، دولة اليهود، ص 187.
[8] ونستون تشرشل، خطاب في مجلس العموم البريطاني، 1921.
[9] هنري كيسنجر، مذكرات كيسنجر، ص 312.
[10] إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 233.
[11] بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس، ص 98.
[12]ناعوم تشومسكي، الولايات المتحدة و"إسرائيل": تحالف المصالح، ص 112.




التعليقات